كان من حديث يوم شهورة وكان من أعظم أيام بني كنانة أن قريشا خرجت من مكة ورأسهم مكرز بن حفص بن الأخيف أخو بني معيص ومعه بنو الديل وليث ابني بكر فاغار في أرض بلي ولخم فملأ يديه ثم أنصرف حتى إذا كان بذنب ينبع وجد نسوة لجهينة مجاورات في حي من بني ضمرة يقال لهم بنو عباد فقال راجزهن:
أصبح جارات بني عباد … عوانيا يرسفن في الأقياد
مال بني ضمرة في الفساد
قال: وورد بهن الجيش ذات السليم على بني صخر وقد أتى بني صخر الخبر وهم بذنب يليل فاحتسبهم بنو صخر عشية وسألوهم النسوة، فأبوا فحبسوهم ليلتهم، ولم يكن بينهم قتال واستمدت بنو صخر من حولهم من ضمرة، فلما أصبحوا سار الجيش وأراد مكرز بن حفص إرسال النسوة، وإن أحد بني أبي رافع إخوة البراض شد على مكرز فضرب عجز بغلته تحته بالسيف، فرمت بمكرز وعطف عليه بعض أصحابه فاستردفه، فألحقه، بأصحابه وقال:
لقد علمت كعب بن ضمرة إذ غدت … سيوفهم يخضبن كفا ومفرقا
بأني على الضراء أسيت مكرزا … وقد بلغت نفس الجبان المخنقا
جمعت له الرجلين ركضا إليهم … نموت جميعا أو تؤوب فنلحقا
يقولون دعه قد أتى الموت دونه … فقلت أبيت اليوم أن نتفرقا
فعطف بنو فهر وليث والديل فرموا بني ضمرة بالنبل وضمرة حسر، فقتل من بني ضمرة عبيد بن حذيفة بن صخر بن كعب بن خرد بسهم ونزف كلثوم بن معبد بن صخر، وانهزمت ضمرة وعطف هبيب بن معبد بن صخر على القتيل والجريح، فقال له كلثوم: ادع، فنادى يال ضمرة! فقال: أقصر لله أبوك، فقال: يال كعب: فقال! أقصر لله أبوك، فقال: يال جابر! فقال: أقصر لله أبوك، فقال: يا خرد بن جابر! فقال: ادع الآن وادع أسماء الرجال وأزوار النساء، فعطف الحارث بن قيس بن كعب بن خرد وهو من الحرقية وأمه من الحرقيات وعطف قيس بن خالد بن مالك بن خرد فعطفت ضمرة، وقد قال رجل من بني قيس بن جدي: يا حار ليس ابنا معبد لك والأنصاب لتتركنها، فقال قيس: عض بظر أمه من لم يضرب حين نابت إليه ضمرة، فحمل على القوم فلقيه شريك بن بشر القرشي فضربه قيس بن خالد بن مالك فلم يصنع شيئا وضربه شريك فسحا جلدة رأسه حتى طرحها على وجهه، ثم وثب قيس فاخذ شريكا فاحتمله فصرعه وجاء فروة بن هبيب وهو ابن أخت قيس أمه عفرة بنت خالد فحسر المعفر عن شريك فذبحه ثم جاء أخو شريك ثائرا به فاحتمله قيس فصرعه وجاء فروة أيضا فقتله وقتلت منهم بنو ضمرة سبعة،
فلما اختلط القوم تنحت الديل وليث، وقال نوفل الديلي هو من بيت بني الديل يال بكر بكرا بكرا: احفظوا، فخلى بين ضمرة وبين فهر، فلما انهزمت بنو فهر سارت الديل وليث وخافوا القتال فسلك نوفل على بني عوف بن جدي على ماء من ماء يليل فمنعوه وحملوه على الإبل، فقال خارجة بن خشاف الضمري:
تفاقد قوم منعوا أمس نوفلا … لمشي الروايا بالمزاد المثقل
فيا لهف نفسي والتلهف ضلة … على نوفل منهم وأصحاب نوفل
وقال الحراث بن قيس:
يممت كلثوما وصاحبه … بعراضة السيتين والأزر
ومرقرق كالرجع أخلصه … صقل الصياقل زين بالأثر
فشفيت نفسي من سراتهم … وأزحت ما في الصدر من غمر
إذ يحلفون لأتركنهما … وحلفت بالأنصاب والستر
أسلمته لرماح جلجل إذ … تقد الظبات توقد الجمر
إني لأجعل في الأولى علموا … نبلي وأعدل عن بني بكر
وهم الصديق على عجارفهم … وهم الإزاء لساعة الصبر
ومكبس باد نواجذه … أضجعته بمتابع حشر
فتركته للضبع منزله … سنن القيان يلثن بالنخر
ما إن نهيت ولا شعرت ولا … أن كان يوم قتالهم أمري
فتركته نضج الدماء به … كالزعفران ببلده النحر
حتى أتانا شطركم ظهرا … مستصرخا يحتث بالنفر
ورأيتم جاراتكم عجلى … تخشى الزجاج وشدة الزجر
فلقوكم بكتيبة نجدية … خشناء ذات أنسة خضر
فسلكت فهر حتى إذا كانوا بالفرع من هرشى ذلك اليوم لقوا مخلد بن حذيفة بن صخر أخا المقتول فقتلوه ثم ساروا حتى وجدوا على ماء يدعى ذا الأسلة من ودان رجلا من بني ملحة بن جدي فقتلوه فآبوا بثلاثة، وبقي لهم فضل أربعة فخرجت ضمرة حتى نزلت معهم الحرم خوفا من أن يتناولهم فهر في الحل ويلجأوا إلى الحرم، وقد كان بنو فهر قتلوا بنتا لإماء بن رحضة الغفاري يقال لها فاطمة فاستوهبت بنو صخر دمها فأصابوا بها دما وعقلوا للقوم ثلاثة بثلاثمائة ناقة حمراء، ثم خطوا خططا ثلاثة وقالوا: من قام على واحدة فعليه بكرة ومن قام على اثنتين فاثنتان من أجاز الثلاثة فثلاث، وإن فتاة متزوجة من بني ضمرة وثبت الثلاث فهوى إليها زوجها ليحبسها فقال أخوها: والله لتخلين يدها أو لتفارقنك يمينك! فخلاها، فأعطتهم ضمرة ثلاثمائة ناقة، وقال الفهري يوم أصابوا بنت إماء بن رحضة الغفاري:
يوم طويل من ظبي الغطارس … وأنا من طول الحياة بائس
وقال أبو جلذية بن سفيان في يوم شهورة:
كفيت بني الجذعاء مشهد ماقط … وهبت لهم منه ثناء ومشهدا
ينو عمهم حرب وأسعى لحربهم … كما سرهم مني وإن كنت أوحدا
إذا وضعت خرد يدا في ملمة … وضعت بني الجذعاء في جنبها يدا
وقلت لخرد عارضين فإن يكن … لكم يومكم هذا فإن لنا غدا
إلينا يقودون الجياد ومن يقد … إلينا ندعه لا يعلق مقودا
وقال أيضا في ذلك اليوم:
يدعون خردا وأجيب فيها … كفاك يعنيني الذي يعنيها
وقال الحارث بن قيس أخو بني كعب بن خرد وكان جرح فجعلت امرأته تداويه وتضحك من جزعه:
لو شهدت أصحاب قيس بن خالد … وأسود لم تضحك من الكلم زينب
ولكنها غابت وحنظ قومها … وفض عليها الزعفران وزرنب
فدى للألى أدعو إلى الموت حسرا … بأسفل ذي ودان أمي والأب
صددنا ولو شئنا لنالت رماحنا … أسيد بن جحش وهو في القوم مذنب
ولكن عفونا إذ قدرنا عليهم … على حنق يوما وذو الذنب يعتب
ستثنى مع الأقوام غزوة نوفل … إذا ضم أهل المازمين المحصب
فحسبك من قتلى كرام رزيتهم … شصائص من أنياب فهر وأسقب
وقلت لقومي يا اضربوا لا أبا لكم … فقد جعلت باقي الودادة تذهب
فلما ضربنا نكب الضرب أزمة … من الكرب عنا لم تكد تتنكب
وصابر منا حيث خر ابن معبد … فوارس هيجا كلهم متلبب
دعونا بني بكر إلى الود بيننا … وبكر لنا بالود سم مقشب
ندافهم بالرمح يوما وليلة … وللمرء يوم رشده متغيب
المنمق من أخبار قريش لابن حبيب
