صفحات من كتاب شيخ القلعة “ابراهيم باشا الضمور” لمؤلفه أحمد جميل الضمور الكناني

صفحات من كتاب شيخ القلعة”ابراهيم باشا الضمور الكناني” لمؤلفه احمد جميل الضمور الكناني

– نسب عشائر الضمور الكناني وحياتهم:

تنتمي عشائر 
الضمور الكناني الى ضمرة بن بكر بن كنانة حسب الروايات المتواترة وحسبما جاء بكتاب مشاهير بني ضمرة صحابة وتابعين المأخوذ من المراجع التاريخية المعروفة ومنها الطبقات الكبرى لابن سعد والسيرة الحلبية وتهذيب سيرة ابن هشام وانساب العرب وتاريخ ابن خلدون ومعجم البلدان وتاريخ الطبري ومراجع اخرى كثيرة. وإلى ضمرة هذا ينتسب عدد من الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين ومنهم أبو ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة من أحفاد مُليل بن ضمرة وعمر بن أمية الضمري وأبو رهم الغفاري الضمري وبشر بن سحيم الضمري وورد أن أحد أحفاد ضمرة بن بكر اسمه ضمرة أيضاً هو شقيق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرضاعة من حليمة السعدية مرضعة رسول الله وهناك صحابة آخرون. أما الصحابيات فأذكر بعضاً منهن آمنة بنت أبي الحكم الغفارية الضمرية وأميمة بنت قيس الغفارية وأم الحكم الضمرية وغيرهن.
وبعد أن هاجر رسول الله(ص) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كانت أول غزوة له غزاها وقادها بنفسه هي غزوة الأبواء أو غزوة ودّان في أرض الحجاز ولم يلق النبي(ص) من بني ضمرة كيداَ وصالحوه وهذا نص كتاب الصلح:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة بأنهم آمنون على أنفسهم وأموالهم وأن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا في دين الله مابلّ بحر صوفة وأن النبي(ص) إذا دعاهم لنصره أجابوه. عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله ولهم النصر على من برّ منهم واتقى وهذه الموادعة حسب المراجع التاريخية أما منازل ل بني ضمرة في ذلك الوقت فهي مكة المكرمة والبزواء قرب الساحل وودّان قرية عند رابع وينبع النخل أسفل وادي الصفراء وهي مكان موقعة بدر الكبرى كما جاء في كتاب معجم البلدان لياقوت فقد ورد أن بدر ابن يخلد الضمري حفر بئراَ في ينبع النخل وكان يشرب منه الذاهبون والعائدون بين مكة المكرمة والمدينة المنورة واشتهر إسم هذا البئر بإسم ماء بدر نسبة لصاحبه المذكور. وحينما وقعت المعركة بين المسلمين وكفار قريش خيّم الرسول(ص) حول البئر ليشرب منه المسلمون حسب رأي ومشورة الصحابي الجليل الحباب بن منذر فسميت المعركة بإسم بئر بدر نسبة إلى بدر بن يخلد الضمري.
لقد شارك بنو ضمرة في معظم غزوات الرسول(ص) في الجزيرة العربية كما شاركوا في المعارك الإسلامية التي حدثت في بلاد الشام والعراق وغيرها واستقر بعضهم في أماكن شتى من هذه البلدان. وورد في روايات عدة ومن جهات متعددة أن عدداَ من أبناء ضمرة استقر أمرهم في مدينة عمان العاصمة الاردنية حول قلعة عمان ومكثوا هناك مدة من الزمن ولكنهم تفرقوا بعدئذ نتيجة للحروب والظروف المحيطة بهم فقسم منهم استقر شمال مدينة دمشق وتعرف منطقتهم حتى الآن بإسم(ضمير) وقسم آخر استقر في منطقة مزارع النوباني بفلسطين ويعرفون الآن بنو ضمرة وللكتابة عنهم لابد من العودة إلى جذورهم الأصلية للتحدث بدقة عن مسيرتهم ثم رحل قسم منهم من فلسطين إلى الأردن وقطنوا مدن عمان والزرقاء والكرك وبعرفون في الكرك بإسم الضمرات وطابعهم ديني بحت ومن بني ضمرة هؤلاء الأدباء والمحامون والرواة وعلى جانب كبير من الأخلاق والأدب الرفيع.
أما القسم الثالث من بني ضمرة فقد توجه إلى الكرك ومنهم بنو أحمد ضمرة وأحفاد الصحابي بشر بن سحيم الضمري(السحيمات) والإمامية الذين جاؤا سوياَ مع بني ضمرة من أرض الحجاز وهم الكركي والبنوي وكذلك الجراجرة وحينما كثر أحفادهم سُمَّوا جميعاَ 
الضمور الكناني جمع ضمرة وهو الإسم الذي يجمع هذه العشائر مجتمعه وقد كانوا جميعاَ يحبون هذا الإسم وينضوون تحت لوائه وهذا دليل على أنهم جاؤا كلهم من أرض الحجاز سيما وأن منازل بني ضمرة كانت تشمل معظم أرض الحجاز حتى أن جبال النَصع كانت من جبالهم وتافل من جبال تهامة كانت هي الأخرى من جبالهم بالإضافة إلى المواقع التي ذكرناها سابقاَ.
هوا الشيخ ابراهيم الضمور الكناني من بني ضمرة من كنانة
فقبيلة ضمرة معروفه منها فرع قبيلة غفار
التي منها الصحابي ابي ذر الغفاري……
دخل الشيخ إبراهيم ساحة بيته ليجد قاسم الأحمد ينتظر قدومه, بلهفة المستجير ,فاحتضنه مرحباًُ به باشاً,يعطيه الأمان ويجيره, ويطمئنه على حياته,وأن مصابه , مصاب الشيخ وأهل بيته.
-” وصلت!!..وصلت يا الأخوو..وصلت .!!
كرم وترحيب, بدفء الأخوة, أحاط الشيخ إبراهيم أجيره قاسم الأحمد , يشد من عزم الضيف الأجير,جموع الرجال الذين تدافعوا للسلام على الضيف الكريم والاستماع إلى بطولاته في المقاومة, يتنافسون في تقديم الولائم واستضافته في بيوتهم ,يعززون أفعاله بالثناء والذكر الطيب ,يحيطون حوله “عزوة” كركية,تخفف عنه غربة الوطن واحتقان الأجواء,المشحونة بعيون ترصد حركته وتنقلاته, يندسون بين ساكني القلعة, والمحتمين بأسوارها الملتفة حولهم مدينتهم كسوار محكم, تحيطها أودية سحيقة, منعت وصول المعتدين, وتقهقرت على أبوابها جيوش وأطماع,لكنها لم تمنع النفوس الرخيصة من دخولها تبحث عن صيد ثمين بثمن بخس.
عيون الغدر لا تنام ولا تهدأ, تراقب وتطارد قاسم الأحمد إلى الكرك .تنقل أخباره وتنقلاته إلى إبراهيم باشا الذي وصلته أخبار قاسم الأحمد,وان الشيخ إبراهيم الضمور أجاره ,وبخبرته العسكري يعلم أن الكرك عصية عبر التاريخ ,لا تذل لها راية, ولا يقبل أهلها بالظلم, رجالها أشاوس ونسائها حرائر, لا ينام فيها ظالم ولا تعرف فيها مذلة, رجالها للموت يوم الوغى مستقبلين.ونساءها داعمة صابرة , اعتادت على مرابي, العز والنخوة,ترضع أطفالها قوة العزيمة, وجراءة الحق ,واستشعار المعاني المبطنة ,فلا تغيب عنهم شاردة ولا واردة,في سجاياهم حدة ,وسرعة استجابة, تسكن تحت نيرانها قلوب طيبة, للخير ساعية وللمكارم قاصدة.
أرسل إبراهيم باشا رسالة إلى الشيخ إبراهيم الضمور:
“إلى شيخ الكرك إبراهيم الضمور..تسلم الكرك، وتخضع ورجالك, وإلا أحرقت ولديك.
الإمضاء -إبراهيم باشا”
رسالة خطت بجبروت الطغاة, وغباء التعالي, وغربة الانتماء ومسافات تقطعت بين السلطة, بين الحاكم والمحكوم, يرسل من عليائه رسالة لرجل أمي لا يعرف القراءة والكتابة,حاله حال الجميع , في بلاد ابتعدت عنها رعاية الدولة, وتقطعت أوصالها, و بقيت علاقة مفردة ضيقة أساسها سلطة وضرائب, غير مبالين لتبادلية العلاقة ,فلا مدارس ولا رعاية ولا اهتمام , سنوات من الإهمال في دهماء الجهل والمرض والفقر,فانتشرت الناس عبر الصحاري ترعي المواشي,في أراضي امتدت عبر حدود الخلافة العثمانية ,يزرعون حاجتهم, كفاف عيشهم, بعيدا عن ضرائب الدولة ,وانفلات الأمن عبر حملات الغزو بين القبائل , لتصحوا سلطتها من سباتها كل عام على موعد الجباية وتحصيل العشر,ثم تعود إلى سباتها من جديد.
حمل الشيخ الرسالة يبحث بين أهل الكرك عله يجد من يقرأها, فوجد رجل مصري استطاع أن يفك الخط ,ويخبره فحوى الرسالة الصريحة الواضحة:
– سلم الدخيل أو نحرق ولديك!!
كان اختطاف الأولاد ,صدمة كبيرة على الشيخ إبراهيم الضمور,لكن هول الصدمة لم يوقفه متخاذلا أمام التهديد.
جلس يمسك برسالة تهديد, خطت فوقها مصائر فلذات كبده ,في قلبه ووجدانه يسكن سيد وعلى ,وفي عقله وأمام كرامته إصرار وتحدي لا يخضع ولا يستكين,سيكون للشرف ثمن غالي ,ولأهل الكرك على مدار التاريخ, سيكون موقف.
حمل رسالة الظلم والتهديد يمررها أمام عيون الناس الدامعة, الذين صعقتهم قسوة التهديد.ونية إبراهيم باشا الجادة بقتل الأبناء, وإصرار إبراهيم على حماية الأجير. بعد أن أصبح الأولاد بقبضته.
سيد وعلي ..يا أشجار الدفلى بألوانها البيضاء والوردية فوق مياه” سيل الكرك” وينابيع” عين سارة” ..يا اخضرار عشب الروابي في ربيع المواسم..لا يزال “الدحنون” ينبت فوق رماد الحريق..يا صرخة لوعة فراق الأحبة, ارتفعت فوق أبراجها,أهازيج رثاء وتحدي. دمعت لها عيون الصبايا, وثارت لها عزائم الرجال, تطرز المعالي فوق عقال العز و كوفية الفخار.
سيد وعلى, يا شباب الكرك الممتدة عزائمهم إلى آفاق المجد والتضحية.. يا صرخة قلب “عليا” من فوق البرج التي ما وصلت تحذرهما من يد الغدر.
-“يا سيد …يا على…يا عيال .. البواق.!!”, الغدر أسرع من خطوات “عليا”, الأسر اقرب من جدائل “عليا”.
فوق سهول الكرك القريبة من أسوار القلعة ,كان الشابان يتدربان على الفروسية والمبارزة, سيد :انظر القادمين يا علي..أغراب عنا..هل عرفتهم يا خووي؟
على وقد استشعر الحذر:هذول حامية إبراهيم باشا ..يا خوفي قاصدينا يا خوي يا سيد!
خيول وعسكر اقتربت من الشابين وقد أحاطت بهما من كل جانب,تفحص” سيد” الوجوه جيدا ,حمراء وصفراء وبيضاء من كافة الأقطار,عرب وشركس وسوريون, والأغلب من مصر بقايا المماليك بلد إبراهيم باشا ,الذي هيمن عليه والده .كما هيمن على هؤلاء العسكر وجندهم في حملات ابنه لبسط نفوذه على العرب.إرادة أجنبيه بيد عربيه.
سيد, وقد اقترب من أخيه حاميا ظهره بظهر أخيه على:اصبر يا أخي ولا تخاف.
لا يزال العسكر فوق خيولهم يحيطون بهما يقتربون من كافة الاتجاهات مانعين الشابين ومحاصريهم,مقتربين أكثر ثم أكثر.
ترجل الضابط من فوق حصانه وتقدم باتجاه الشابين:اترك سلاحك يا ولد!.. إياكما والمقاومة نريدكما إحياء..يا عسكر أوثقوهما بالحبال ..بسرعة..إبراهيم باشا في انتظارنا.
فهم سيد وعلى مراد الضابط وغايته .وبكل قوتهما يحاولان الانفلات والتلويح بسيوفهما التي كانت اضعف من أن تقاوم حاميه مدججة بالسلاح والبارود.
, يضعهماالحامية الشابين وقد تصلبت أجسادهما, صبراً واحتساباً لقدرهما المحتوم, يضعهماا على محك مساومة الاعتزاز بالقهر ,الكرامة بالذل والمهانة ,بأدوات الغرباء, القادمين دائما من البعيد ,يحملون المقاصل والمشانق ووهج النار ,لا يعرفون دروب الحق في نفوس أصحاب الحق وشرفاء الأرض والعرض ,قاس جدا هذا الامتحان! !.
اجتمع أهالي الكرك حول الشيخ إبراهيم الضمور , لمعرفة الأخبار, والوقوف إلى جانب الشيخ المنكوب ,وقد تعالت أصوات الاستهجان ورفض الذل, والاستعداد للمواجهة, وتقديم العون والمساندة في هذه اللحظات الصعبة.
– يا شيخ إحنا فداك..وفدى سيد وعلي.للموت نسير وياك وما نهابه …إحنا لعيناك.!!..خلهم يدخلوا الكرك..سنلقنهم درس في الرجولة والصمود !!
لا مناص من الخيار الصعب, لم تتعود العرب تسليم الدخيل, لكن هذه المرة, حياة الأولاد أو العار الأبدي. قرار صعب, حمله إبراهيم الضمور لأم العيال, مخبراً إياها, مستطلعاً رأيها, عل هناك منفذ وسبيل,
“عليا” تُبادر الشيخ: حنا ما تعودنا نسلم الدخيل..في الأولاد ولا في البلاد يا شيخ ..الأولاد فيهم عوض, أما الشرف والنوماس .ماله عوض.!!
الشيخ وقد سكنت نفسه للقرار: “هذا امتحان صعب يا عليا..هذه الكرك ..يريدها ذل وخنوع .
“والله ما طاطيت عمري على الخنا ولا لذت على الجارات والبحار غايب”
الشيخ:إما الخلود وإما العار…العيال يا عليا.. هذا امتحان يا وقرار صعب!
“عليا” يا رفيقة الدرب,وأنيسة الأيام ,وحاملة هم الجميع, ومحتملة قسوة البادية, ترفلين ( بمدرقتك), بألوان الشمس طرزت أطرافها, وفوق راسك عصبتك الحمراء , تحيط بالوجه المضيء دائما, بابتسامة الرضا والقناعة ,تزينه مراجيع الوشم بسحر وجمال خاص.
“عليا”..رسالة الظلم دعتك لمواكب أمهات الشهداء..ترافقين الخنساء وتتعلمين صبرها .وتحتسبين أمرك, تجلسين في صدارة الموكب ترافقك الأمهات من الزمن البعيد الممتد إلى القريب القريب, تستقبلين أمهات كتبت الشهادة على دروب أولادهن من فلسطين ومن العراق ومن ارض الظلم العالمي والمقابر الجماعية..من رحم الأمهات يولد الشهداء وعلى تراب الأرض توزع دمائهم ,لتنبت حقول القمح, وتولد من جديد في كل الأزمنة وفي كل الأوقات أمهات شهداء ,ويوزع الدم من جديد فوق الحقول والشوارع .
“عليا” , تعلمين يا ابنة الحسب والنسب أن الأولاد مفارقين, يلوحون لك من بعيد ,يوصونك على الشيخ .يخبرك نبض قلبك أنهم غير عائدون.لان شرف الكركيات, وكرامة الرجال, تصرخ مستجيرة بحياة على وسيد..فهيهات اللقاء, وهيهات الرجوع! فراق ابدي..دون وداع ,دون أن يقبل” العيال” جبينك , او يقبلون أيادي الشيخ, خلاص الكرك في دماء العيال. أولادك يا عليا يعلمون, معادلة الشرف والواجب, سيرفضون غير ذلك سبيل…فليكن هذا السبيل,هيا .هيا ليعلم الباشا أن الموت خيار الشيخ و”عليا” لا خيار الظلم..اخبروا الباشا أن..اقتل!..اقتل!
يا عقال العز على هامة علي, وكوفية الأصالة فوق أكتاف سيد..لم تنتهي حوارات الحركة والرمز, وتواصل المعاني بين نبض الأم, وتقلبات مزاج الأبناء, تترجمها عيون “عليا” وتفهم منها القصد والنية, حديث العقال والكوفية والعيال و”عليا”.لا يزال قائما رغم قسوة الحياة, والشدة في طلب العيش والرزق ,في ظل أجواء القبيلة على أطراف الصحراء,فلا زالت للرجال مع العقال حكايات , تترجم حركة الميلان, فتخبرك أن القلب عاشق منتصر( معنقر)في ميله إلى الجانب يكاد أن يسقط,أو على عجل من أمره :يميل إلى الخلف ,أو مفكراً,غارقاً في فكره : مائلاً إلى الأمام اقرب إلى عيونه ,أو غاضبا متحفزا: في وسط الرأس إلى الخلف قليلا, غاطسا في رأسه,يصعب سقوطه إذا اشتدت حركته.
معاني في أصالة الوجود, وبساطة الموجود, ليكون للأشياء قيمة و معنى وحاجة وغاية, تخلو من إضافات, لا مكان لها في رحلة تغير, المواسم والرحيل المتجدد وراء الرزق وعوامل البقاء.
محاولة أخيرة من أهل الكرك ..اجتماع ومشاورات وإجماع عام..يقررون فيه رفض تسليم الكرك ..ربما هناك نهاية أخرى غير حتمية القرار :
“يا شيخ حنا عزوتك جلايبك يوم المبيع
قوموا على المنايا العيب على اللي ما يبع”
سيوفهم مواضي وعزائمهم جبال ونيتهم إيمان وشهادة,مستعدون للموت .
الشيخ وقد خرج للناس بقراره الحازم: نار الباشا ولا نار الفضيحة والعار. اقتل، احرق، والله ما تدخل الكرك وإبراهيم الضمور حي، احرق وأنا أقدم لنارك الحطب والقطران…ليحمل الجميع السلاح ولتغني الصبايا ولتزغرد الأمهات..اليوم عرس ,سيد وعلي..يااا “عليا”.ارفعي بيارق الفرح فوق ابراج القلعة. يا بنات الكرك زغردن ولينطلق البارود.
تجمع الناس على أسوار القلعة ينظرون إلى جحافل جيش الباشا إبراهيم, توزع سراياها على سفوح الجبال المحيطة بالكرك ..أصوات الناس تعالت مستنكره, غاضبة من مشهد الموت الذي تصدت له بكل ما أوتيت من عزم وقوة ..مستعدة للقتال وحماية النساء والأطفال واخذ الاحتياطات حول أسوار القلعة وحول المدينة.وعلى بابها المؤدي إلى ممر أسفل الجبل إلى داخل القلعة, يؤمن المدينة ويضبط الداخلين والخارجين منها.
على احد السفوح وعلى مرآي من الناس وحماسية القتال والحرب.أشعل الباشا إبراهيم نار عظيمة شاهدها كل من سكن الكرك ,يزيد فوق نارها الحطب والقطران . فتزداد وهجا وقوة مع أصوات الناس المكبرة, وزغاريد النساء فوق القلعة, والشيخ بين الناس يحثهم على الصبر, باحتفالية الموت ومواجهة القدر, وانتصار للشرف والعهد.
من بين أصوات الناس خرج صوت, وقع فوق سمع إبراهيم الضمور بتفرد, وكأن أصوات الناس قد همدت وما هي بهامدة:انظر يا شيخ هذا الباشا يلقي بسيد في النار.. العيال يا شيخ إبراهيم!!
وقف الشيخ إبراهيم يصرخ بأعلى صوته يمنع دمعة العين ويحجر نزولها:
-” يا النشامى..يا النشميات ..زفوا سيد يا ناس زفوا العريس غنوا..غنوا..كبروا..الله اكبر..الله اكبر!!
كانت أصوات الناس تطال قهر واستفزاز الباشا وتزيد من كسر أشواك الذل.ثم يأتي صوت آخر:ابنك الثاني يا شيخ..علي يا شيخ.!
يهب الشيخ من جديد:زغردي يا “عليا” زفي الشهداء يا عليا..زفي العيال يا عليا ..زفوا الشهداء يا أهل الكرك ..
الله اكبر عالظلم ..الله اكبر عالذل ..الله اكبر على كل ظالم..يا نشامى الكرك ..يا أهل الكرك ..الموت ولا الذل..الموت ولا المذلة..غنوا ..هذا عيدنا ..عيد العيال ..علو الصوت ..ردوا على الباشا..خلوا الباشا يسمع.”تصدى أهل الكرك لجيش الباشا إبراهيم ,بأجسادهم العارية وبمقالعهم اليدوية البسيطة, واستماتت الشباب للثأر ..الجميع قاوم,الجميع وقف أمام جبروت الباشا..لا خوف ولا جبن, بكل عزائمهم..بأحجار القلعة التي تدحرجت من فوق الأسوار, تقاوم تقدم الجيش.وتطلق بارود, أشعل كبد السماء

 

الكاتب الكبير هزاع البراري:

 

 

هذا الكاتب الأردني المعروف صاحب زاوية(خارج النسيان) في جريدة الرأي والذي توشحت زاويته برجالات الأردن القدماء حفاظاَ على التراث الأردني مسطراَ بذلك أروع الكتابات بفكره وقلمه وثقافته العالية مستعرضاَ أحب الرجال إلى قلوب الأردنيين من شماله إلى وسطه إلى جنوبه ومواقفهم الرجولية التي سطر بها الأردن تميزه وعنفوانه واقعاَ لا وهماَ وصدقاَ لا زيفاَ ولا ضلالاَ وحقاَ ليس فيه باطل، فكتب عن أحد رجالات الكرك البارزين في جريدة الرأي بتاريخ 29/6/2009 ملخصاَ سيرته وسيرة آبائه وأجداده في أسلوب مميز فكانت كتابته عن الشيخ عبد العزيز الضمور الكناني بعنوان:(عبد العزيز الضمور – العطاء عندما يثمر كشجرة طيبة)
وسأكتبها كما وردت ولا أزيد فيها شيئاَ مستنداَ في كتابته على بحث مقدم وسيرة حسنة تستحق الكتابة عنها وذكرها فيقول:
خشم العقاب تلك القلعة المزدهية بتاريخ أشم يغوص في القدم حتى يلامس سيوف جيش ميشع الملك المؤابي ويستجيب لصيحات جند صلاح الدين الأيوبي وهو يرسم الطريق لتحرير بيت المقدس فهو تاريخ حافل بالبطولات شد بعضه بعضاَ فصدى الحملة المصرية على بلاد الشام والتي قادها إبراهيم باشا نجل حاكم مصر محمد علي باشا يتردد في الذاكرة وفي الأماسي الحاضرة بعد أن استغل ضعف الدولة العثمانية ورغب بالتوسع شرقاً وشمالاً حتى وصل إلى أنقرة وكاد يدخل اسطمبول(الآستاتة) لولا تدخل القوات الغربية الممثلة ببريطانيا وفرنسا اللتان لم تقبلا بقيام دولة عربية قوية على أنقاض رجل أوروبا في ظل اطماع هذه الدول في تركة الامبراطورية العثمانية.
وتعد حادثة إبراهيم باشا مع زعيم القلعة إبراهيم الضمور الكناني الذي لم يستسلم ويفتح أبواب القلعة بعد ان أمسك قائد الحملة المصرية بولديه وهدد بحرمتهما إن لم يستجب فلم يستجب.
عبد العزيز الضمور الكناني بن خليل بن طه الضمور الكناني وهذا الاخير نجل القائد الكركي الكبير إبراهيم الضمور الكناني الذي صمد كأبراج في مواجهة جيش محمد علي باشا. وكان لطه الضمور الكناني شرف التضحية بروحه على أبواب القلعة مكرساً دأب رجالات الكرك على مر العصور في التضحية والفداء. وقد لقب أبناء وأحفاد الشيخ طه الضمور الكناني بأبناء طه(عيال طه) حيث ألفت عليهم الأغاني والأهازيج وروائع الأشعار التي تغنت بفروسيتهم وكرمهم وإصلاحهم ذات البين وخدمة أهلهم وبلدهم مما جعل ذكرهم بين الناس طيباً وصورهم خالدة في الذاكرة وتضحيتهم جاوزت حدود الزمان والمكان حيث تواصل تقدمهم للعمل والإيثار حتى أصبحوا مضرب المثل والقدوة التي تحتذى متأصلين في الذاكرة الشعبية أن انحدار الشيخ عبد العزيز الضمور الكناني من فراس القلعة الذين حموا أسوارها وصانوا العهد منذ نبت الإنسان الأردني الذي بنى حضارته العريقة ودرتها البتراء وظلت الكرك عصية على طوابير عسكر الغزاة حتى تمردت على ظلم الدولة العثمانية عندما بدا نجمها بالأفول فكان أبناء طه(عيال طه) من عشيرة الضمور الكناني يضطلعون بدورهم العشائري على خير ما تكون الزعامة في البادية الأردنية. ففي أجواء البطولة والإقدام والمواجهات المحلية والأحداث الإقليمية العابرة من خلال المنطقة ولد الشيخ عبد العزيز الضمور الكناني في نهايات القرن التاسع عشر وذكرت الروايات أنه ولد عام 1876م ولم تكن طفولته إلا تعبير عن الرجولة المبكرة حيث يتم تدريب الفتيان على ركوب الخيل والمبارزة بالسيف والمهارة باستعمال السلاح وبذلك انخرط عبد العزيز الضمور الكناني في مضمار الرجولة منذ نعومة أظفاره في مرحلة تجعل من الطفولة تأسيساً حاسماً لتحمل المسؤولية التي لا تتأخر عندما تكون الرجولة الحصن لا تنحني جدرانه.
يعد الشق في بيت الشعر أو المضافة بيت الحكم في العشيرة التي تعتبر مؤسسة اجتماعية ذاتية الحكم في ظل غياب الحكومة المركزية التي تعمدت إهمال هذه البلاد وتركيزها على جباية الضرائب في وقت رزحت فيه المنطقة تحت فقر مدقع وعدم توفر أية مشاريع أو خطط للتنمية.
وفي المضافة أو الشق تلقى عبد العزيز الضمور الكناني تعليمه مبادىء مواجهة الحياة والمقدرة على الحكم والقضاء بين الناس من خلال حضوره ومشاركته لوالده وإخوانه مع رجالات الكرك فتعلم الصدق والأمانة واكتسب المعرفة العميقة بالشؤون العشائرية والقدرة على خدمة أهله والمنطقة والذود عنهم عندما يتقدمهم في المعارك وفي صد الغزوات فلقد ورث الزعامة والفروسية من آبائه وأجداده فجده لأبيه الفارس المشهور ابراهيم الضمور الكناني (شيخ القلعة) أما جده الشيخ طه الضمور الكناني فقد كان أحد زعماء الكرك ومن الذين دافعوا عنها وأبلوا بلاء حسنا وقتل مدافعاً على أسوار القلعة التي تبقى شامخة لا تعطي أسرارها إلا لمن عشقها وأشهر سيفه دونها وترك من الأبناء خليل ومحمد ومحمود وأحمد ونظراَ لفروسيتهم المشهودة كانوا حاضرين في القصائد والأهازيج التي حفظ منجزهم غير المدون من الاندثار فكثير من تاريخ وأحداث تلك المرحلة أهمل ولم يلتفت إليه.
كان خليل سليل أبيه وجده زعيم عشيرة وقائد حرب مهاب يتقدم فرسانه ولا يحتمي إلا بسلاحه حتى قتل في إحدى المعارك وكان هذا الشرف أيضاَ لشقيقه محمد بن طه المعروف بشجاعته وفروسيته الحقة.
أما شقيقه محمود بن طه الذي عرف بزعيم الشراقا فلقد أكمل مسيرة المقاتلين من زعماء العشائر وبالأخص أبناء طه وسجل اسمه في سجل الفخار حيث كان من قادة ثورة الكرك(الهيَة) ضد عسكر الاتحاد والترقي التي اندلعت عام 1910 وقمعتها القوات التركية بوحشية ما زالت بعض شواهدها ماثلة للعيان وتم ملاحقة قادة الثورة حيث تم القبض على محمود بن طه الضمور الكناني ونقل إلى دمشق ودسوا له السم فتوفي ودفن هناك.
تسلم الراية بعدهم عبد العزيز الضمور الكناني الذي تزعم العشيرة وصار قائد أركان حربها ويعد مرجعاً في القضاء العشائري الذي لا يزال معترفاَ به في كثير من القضايا وكان القاضي بمثابة قصر العدل يستمع للمرافعات(الحجج) ويقضي بالعدل حسب العرف المتوارث.
ويعتبر الشيخ عبد العزيز بالإضافة إلى ذلك كله كقاضي محكمة التمييز الذي يقبل من مراجعة أحكام القضاة إذا ما اختلف عليها.
ويبت في صحة الحكم أو يعدله ولا يصل إلى هذه المرحلة إلا من اتفقت العامة على تميزه ومعرفته الفذة في القضاء وشؤونه ومن حاز حب الناس ورضاهم وهذا ما تميز به عبد العزيز الضمور الكناني على مدى أيام عمره.
وقد قصده طلاب الحق من أرجاء الأردن نظراَ لمكانته في هذا المجال حتى أن بيته كان عامراَ على الدوام بالرجال يأمونه من كل مكان لقضاء حوائجهم أو لحل مشاكل استعصت عليهم أو طلباً للمساعدة وتبادل المشورة حيث كان بيته محطة للتلاقي والتعلم بالإضافة إلى أنه بيت حكم وإدارة اجتماعية مدنية.
اكتسب عبد العزيز الضمور الكناني المحبة والقبول داخل الكرك وخارجها ولم يعترض أحد على حكم له فلقد توخَى العدل ومخافة الله في الحكم بين الناس وقد عرف بين الناس ب(ابن طه) إشارة للتاريخ العريق لطه وأبنائه ومن صفاته التي عرفت عنه حبه الشديد للأرض وتعلقه بها فلقد كان سباقاَ في استصلاح الأراضي الصخرية من خلال طمس الصخور بالتراب وزراعتها ويكثر من شراء الأراضي حتى أصبح من كبار الملاكين في تلك الفترة وفي هذا دلالة على ما تمتع به من بعد نظر وتقدير خاص للأرض التي دافع عنها أجداده وأعمامه فأخلص للناس وصار للأرض بقدر ما يستطيع.
أحب عبد العزيز الضمور الكناني الكرك وباديتها فسكن المدينة وسكن الريف والقرى المحيطة وعشق البادية وسحرها فسكن بيت الشعر وفتح الشَق للتعليلة والسَُمار.
وعندما قدم سمو الأمير عبدالله بن الحسين إلى الأردن عام 1920م كان عبد العزيز الضمور الكناني من بين الذين استقبلوه فرساناَ على ظهور الخيل. وعندما كان يزور أمير البلاد الكرك كان من المداومين على استقباله والترحيب به بما يليق بأمير هاشمي من قادة الثورة العربية الكبرى ومؤسس إمارة شرق الأردن المملكة الأردنية الهاشمية فيما بعد.
عاش الشيخ عبد العزيز الضمور الكناني عمراَ مديداَ ناهز الأربعة وثمانين عاماَ عرف خلالها بالتقوى والتسامح والحرص على مساعدة المحتاجين ونصرة المظلوم حتى كرمه أهله بمنحه أرضاَ في قرية المشيرفة حسب العادة المتبعة في تكريم كبير العائلة وكانت تسمى(الشَرهة) وكانت هذه الأرض هي مقر مثواه الأخير حيث توفي عام 1959م ووري الثرى في قرية المشيرفة بعد عطاء متواصل على مدى العمر تكلل بالمحبة والتقدير الذي خلده في الذاكرة حتى يومنا هذا.
انتهى المقال

أما رجالات الكرك الذين كانوا يترددون على لسانه رحمه الله فأذكر منهم عطوي السحيمات وسليمان الكركي وغيث الهدايات ومحمد منيزل القطاونة ودليوان المجالي وهو صهره وعطوة الجعافرة.أما صديقه الذي كان يرافقه فهو الشيخ محمد الوعري البيايضة وقال لي شهود أعيان أنهم كانوا يرونهما في حشمة ووقار وهيبة ممتطين ظهور الخيل

 …. 

الحاج الشيخ عبدالعزيز بن خليل بن طه الضمور الكناني
أحد رجالات الكرك البارزين حتى منتصف القرن العشرين
وكنيته التي عرف بها (ابن طه)
وشيخ القضاء العشائري
حفيد ابراهيم باشا الضمور الكناني
منقول