الصحابي الجليل أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني آخر الصحابة وفاة

أبوالطفيل عامر بن وائلة الكناني

أبوالطفيل عامر بن وائلة ((أو واثلة )) بن عبدالله بن عمرو الليثي الكناني صحابي جليل، كان فارس قبيلته، ومن ذوي السيادة فيها، ولقد رأى أبوالطفيل النبي صلى الله عليه وسلم وهو فتى يافع، وأدرك من حياة النبي ثماني سنوات، وروى عنه جملة أحاديث، وكان آخر من مات من الصحابة (1). وكان صحابيّاً عاقلاً فاضلاً، حاضر الجواب، ومن كلماته الرائعة: “إن لنا ديناً لا يميل به الهوى، ويقيناً لا تزحمه الشبهة” (2). وأنعم بها من كلمة تدلنا على أن المسلمين الأصحاء لا يجعلون دينهم خاضعاً لهواهم، يقبلون عليه حيثما يشاءون، ويعرضون عنه حيثما يشاءون، ويظهرون الاعتزاز به حيثما يريدون، ويستخفون بشأنه حينما يريدون، بل إن لهم يقيناً وطيداً لا تختلط به شبهة، ولا تعرض له ريبة، ولا يزعزعه تردد.
وكان أبوالطفيل موصول الجهاد، وكان يحث قبيلته (كنانة) على الجهاد في سبيل الله: سبيل الحق والعدل والعزة، ويقول لها: “طاعنوا وضاربوا” ثم يحمل لها لواءها، ويتقدم صفها، ويجاهد أمامها، وهو يردد

لها قوله:
قد ضاربت في حربها كنانه
والله يجزيها به جنانه
من أفرغ الصبر عليه زانه
أو غلب الجبن عليه شانه
أو كفر الله فقد أهانه
غدا بعض من عصى بنانه


وكان هذا الشعر سبباً في تحريض آخرين من المناضلين قادوا وجاهدوا وأنشدوا، فهذا هو عمير بن عطارد يقود جماعة من تميم –مع أبي الطفيل– ويقول: يا قوم، إني أتبع آثار أبي الطفيل، فاتبعوا آثار كنانة، ثم يتقدم برايته، ويرتجز فيقول:

قد ضاربت في حربها تميم
إن تميماً خطبها عظيم
لها حديث، ولها قديم
إن الكريم نسله كريم
دين قويم، وهوى سليم
إن لم تردهم رايتي فلوموا

وهذا هو قبيصة بن جابر الأسدي يأتي بعد عامر وعمير، يقود جماعة من بني أسد، ويقول لأصحابه: يا بني أسد، أما أنا فلا أقصر دون صاحبي، وأما أنتم فذاك إليكم، ثم يتقدم برايته ويقول:

قد حافظت في حربها بنو أسد
ما مثلها تحت العجاج من أحد
أقرب من يمن، وأنأى من نكد
كأننا ركنا ثبير أو أحد
لسنا بأوباش بيض البلد
لكننا ألمحة (3) من ولد معد

ويندفع رفقاء الجهاد والجلاد نحو الأعداء حتى ينتصفوا منهم، ويوسعوا منهم طعناً وضرباً، ويصور أبوالطفيل ذلك بشعره الحماسي المثير فيقول مقدراً جهود القبائل المتلاقية على احتمال البلاء وصدق الفداء:
حامت كنانة في حربها
وحامت تميم، وحامت أسد
وحامت هوازن يوم اللِّقا
فما خام (4) منا ومنهم أحد
لقينا الفوارس يوم الخميس
والعيد والسبت ثم الأحد
لقينا قبائل أنسابهم
على حضر موت وأهل الجند (5)

ولقد كان أبوالطفيل يحب الإمام علي بن أبي طالب –رضي الله عنه– ويناصره حتى يقول فيه:

وقلنا علي لنا والد ونحن له طاعة كالولد

ومع ذلك كان يحفظ حرمة الباقين من خلفاء الرسول الراشدين، ويعرف لهم قدرهم وكرامتهم، فكان يثني على أبي بكر وعمر، ويترحّم على عثمان، رضوان الله على الجميع، وكان لا يرتضي تصدعاً، ولا تفرقاً بين أبناء الأمة المؤمنة الموحدة، وكان يجاهد مع الإمام علي، وشهد معه حروبه كلها (6). فلما نال الإمام علي نعمة الشهادة حزن عليه أبوالطفيل حزناً شديداً، حتى يروي التاريخ أن معاوية بن أبي سفيان أراد أن يعرف مبلغ حزن أبي الطفيل على الإمام الشهيد، فاستدعاه إليه وسأله: كيف وَجْدُكَ على خليلك أبي الحسن؟ فأجابه أبوالطفيل: كوجد أم موسى على موسى (7) وأشكو إلى الله التقصير. وفي رواية أن معاوية قال له: ما أبقى لك الدهر من ثكلك عليًّا؟ فأجابه أبوالطفيل: ثكل العجوز المقلات والشيخ الرقوب (8). قال معاوية: كيف حبك له؟ فأجابه: حب أم موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير.

وكان لأبي الطفيل ولد يسمى (الطفيل)، والولد سر أبيه، وقد نشأ هذا الولد في أسرة مسلمة تعرف الإيمان والإحسان، وتعرف الدين الذي لا يميل به الهوى، واليقين الذي لا تزحمه الشبهة، ولذلك نشأ الطفيل وهو يعرف طريق الكفاح والنضال وشاء الله له أن ينال نعمة الشهادة في معركة الزاوية سنة اثنتين وثمانين للهجرة، ومعنى هذا، أنه قد سقط شهيداً وأبوالطفيل في نحو الثمانين من عمره، لأنه ولد في غزوة أحد في السنة الثالثة للهجرة. ولم يجزع أبوالطفيل ولم يقنط بل احتسب ابنه عند ربه.
وعانى أبوالطفيل في حياته كثيراً من الأهوال والمخاطر، وامتد العمر بأبي الطفيل ثم امتد، وأدرك عهد خامس الراشدين عمر بن عبدالعزيز، فأحس عامر أن نسمة من نسمات الخير تهب على المجتمع في عهد هذا الخليفة الصالح، فتمنى من هذا الخير المزيد.
وكأن السنين التي قاربت المئة من عمره قد أثقلته، وكأنه رأى نفسه بحاجة إلى أن يزداد تعبداً وتقرباً من الله، فاتجه إلى مكة، وهناك جاور بيت الله تبارك وتعالى.
وأخذ الموت يختطف الباقين من صحابة رسول الله –صلوات الله وسلامه عليه– واحداً بعد الآخر، حتى لم يبق على ظهر الأرض من هؤلاء الصحابة الأجلاء سوى البطل المجاهد أبي الطفيل عامر بن وائلة الكناني. ولذلك كان يقول في أواخر أيامه: “ما على وجه الأرض رجل اليوم رأى النبي صلى الله عليه وسلم غيري”، وقال أيضاً : ” رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد على وجه الأرض رآه غيري” (9).

المصدر منقول:
( د. مصطفى محمد الفار )