الشاعر و المحدث التابعي عروة بن أذينة الليثي الكناني

نسبه

هو عروة بن أذينة وأذينة لقبه واسمه يحيى بن مالك بن الحارث بن عمرو بن عبد الله بن زحل بن يعمر وهو الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وسمي يعمر بالشداخ لأنه تحمل ديات قتلى كانت بين قريش وخزاعة وقال: قد شدخت هذه الدماء تحت قدمي فسمي الشداخ.
قال ابن الكلبي: الشداخ بضم الشين.

 

و عروة هو القائل فخرا بكنانة :


كنانة من خندفٍ قادةلورد الأمور وإصدارها

 

شاعر وفقيه ومحدث

ويكنى عروة بن أذينة أبا عامر وهو شاعر غزل مقدم من شعراء أهل المدينة وهو معدودٌ في الفقهاء والمحدثين روى عنه مالك بن أنس وعبيد الله بن عمر العدوي. أخبرني بذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمر بن شبة وروى جده مالك بن الحارث عن علي بن أبي طالب.روى قصة عن جده مالك

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا أحمد بن الحارث عن خرج مع علي بن أبي طالب رجلٌ من قومي كان مصطلماً فخرجت في أثره وخشيت انقراض أهل بيته فأردت أن أستأذن له من علي فأدركت علياً بالبصرة وقد هزم الناس ودخل البصرة فجئته فقال: مرحباً بك يابن الفقيمة أبدا لك فينا بداءٌ قلت: والله إن نصرتك لحقٌ وإني لعلى ما عهدت أحب العزلة ثم ذاكرته أمر ابن عمي ذلك فلم يبعد عنه فكنت آتيه أتحدث إليه. فركب يوماً يطوف وركبت معه فإني لأسير إلى جانبه إذ مررنا بقبر طلحة فنظر إليه نظراً شديداً ثم أقبل علي فقال: أمسى والله أبو محمد بهذا المكان غريباً ثم تمثل:

وما تدري وإن أزمعت أمراً بأي الأرض يدركك المقيل

والله إني لأكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب. قال: فوقع العراقيون يشتمون طلحة وسكت علي وسكت حتى إذا فرغوا أقبل علي عليَّ فقال: إيه يابن الفقيمة والله إنه وإن قالوا ما سمعت لكما قال أخو جعفي:

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر

ثم أردت أن أكلمه بشيءٍ فقلت: يا أميرالمؤمنين فقال: وما منعك أن تقول: يا أبا الحسن! فقلت: أبيت فقال: والله إنها لأحبهما إلي ولولا الحمقى لوددت أني خنقت بحبل حتى أموت قبل أن يفعل عثمان ما فعل وما أعتذر من قيامٍ بحق ولكن العافية مما ترى كانت خيراً.

حدثنا محمد خلف وكيع والحسن بن علي الخفاف قالا: حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن يزيد عن عروة بن أذينة قال: قدمت مع أبي مكة يوم احترقت الكعبة فرأيت الخشب وقد خلصت إليه النار ورأيت الكعبة متجردة من الحريق ورأيت الركن قد اسود وتصدع من ثلاثة أمكنة فقلت: ما أصاب الكعبة فأشاروا إلى رجل من أصحاب ابن الزبير فقالوا: هذا احترقت بسببه أخذ قبساً في رأس رمح فطيرت الريح منه شيئاً فضربت أستار الكعبة فيما بين اليماني إلى الأسود.
وفد على هشام فذكره بشعره في القناعة

ولامه ثم ندم فأرسل إليه جائزة

حدثني محمد بن جرير الطبري وحفظته وأخبرنا به أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالوا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني عمر بن محروس الوراق بن أقيصر السلمي قال: حدثنا يحيى بن عروة بن أذينة قال: أتى أبي وجماعةٌ من الشعراء هشام بن عبد الملك فنسبهم فلما عرف أبي قال له: أنت القائل:

أسعى له فيعنيني تطلبه ولو جلست أتاني لا يعنيني

هذان البيتان فقط ذكرهما المهلبي والجوهري وذكر محمد بن جرير في خبره الأبيات كلها:

وأن حظ امرىءٍ غيري سيبلغه لابـد لابـد أن يحـتـازه دونـي
لا خير في طمع يدني لمنقصةٍ وغفة من قوام العيش تكـفـينـي
لا أركب الأمر تززي بي عواقبه ولا يعاب به عرضي ولا دينـي
كم من فقيرٍ غني النفس تعرفه ومن غني فقير النفس مـسـكـين
ومن عدو رماني لو قصدت له لم يأخذ النصف مني حين يرمينـي
ومن أخٍ لي طوى كشحاً فقلت له: إن انطواءك عني سوف يطويني
إني لأنطق فيما كان من أربي وأكثر الصمت فيما ليس يعنـينـي
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي ولا ألين لمن لا يشتهي لـينـي
فقال له ابن أذينة: نعم أنا قائلها قال: أفلا قعدت في بيتك حتى يأتيك رزقك!.
وغفل عنه هشامٌ فخرج من وقته وركب راحلته ومضى منصرفاً ثم افتقده هشامٌ فعرف خبره فأتبعه بجائزة وقال للرسول: قل له: أردت تكذبنا وتصدق نفسك. فمضى الرسول فلحقه وقد نزل على ماء يتغدى عليه فأبلغه رسالته ودفع الجائزة. فقال: قل له: صدقني ربي قال يحيى بن عروة: وفرض له فريضتين فكنت أنا في إحداهما.
أخبرنا وكيع قال: حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدثني الزبير بن بكار قال: حدثني أبو غزية قال: حدثني أنس بن حبيب قال: خرج ابن أذينة إلى هشام بن عبد الملك في قوم من أهل المدينة وفدوا عليه وكان ابنه مسلمة بن هشام سنة حج أذن لهم في الوفود عليه فلما دخلوا على هشام انتسبوا له وسلموا عليه فقال: ما جاء بك يابن أذينة فقال:
أتينا نمت بأرحامنا وجئنـا بـإذن أبـي شـاكـر
فإن الذي سار معروفه بنجدٍ وغار مـع الـغـائر
إلى خير خندف في ملكها لبادٍ من الناس أو حاضر

فقال له هشام: ما أراك إلا قد أكذبت نفسك حيث تقول:

لقد علمت وما الإسراف من خلقي أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنيني تطلبه ولو جـلـسـت أتـانـي لا يعـنـينـي

فقال له ابن أذينة: ما أكذبت نفسي يا أمير المؤمنين ولكني صدقتها وهذا من ذاك. ثم خرج من عنده فركب راحلته إلى المدينة فلما أمر لهم هشامٌ بجوائزهم فقده فقال: أين ابن أدينة فقالوا: غضب من تقريعك له يا أمير المؤمنين فانصرف راجعاً إلى المدينة فبعث إليه هشام بجائزته.

مر بغنمه وراعيه نائم فضربه وقال شعراً أخبرنا وكيع قال: حدثنا هارون بن محمد قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي عن عروة بن عبيد الله قال: كان عروة بن أذينة نازلاً مع أبي في قصر عروة بالعقيق وخرج أبي يوماً يمشي وأنا معه وابن أذينة ونظر إلى غنم كانت له في يدي راعٍ يقال له كعب وهي مهملة وكعب نائم حجرة فجعل ابن أذينة ينزو حوله وهو يضربه ويقول:

لو يعلم الذئب بنوم كعب إذاً لأمسى عندنا ذا ذنـب
أضربه ولا يقول حسبي لابد عند ضيعةٍ من ضرب

غنى ابن عائشة بشعره

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي وإسماعيل بن يونس الشيعي قالوا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أبو غسان محمد بن يحيى عن بعض أصحابه قال: مر ابن عائشة المغني بعروة بن أذينة فقال له: قل لي أبياتاً هزجاً أغني فيها فقال له: اجلس فجلس فقال: صوت

سليمى أجمعت بينناً فأين تقولـهـا أينـا!
وقد قالت لأترابٍ لها زهرٍ تـلاقـينـا:
تعالين فقد طاب لنا العيش تـعـالـينـا
وغاب البرم اللي لة والعين فـلا عـينـا
فأقبلن إليها مـس رعـاتٍ يتـهـادينـا
إلى مثل مهاة الرم ل تكسو المجلس الزينا
تمنين مناهن فـكـنـا مـا تـمـنـينـا

قال أبو غسان: فحدثت أن ابن عائشة رواها ثم ضحك لما سمع قوله:

تمنين مناهن فكنا ما تمنينا

ثم قال: يا أبا عامر تمنيتك لما أقبل بخرك وأدبر ذكرك.
قال عمر بن شبة: قال أبو غسان: فحدثني حماد الحسيني قال: ذكر ابن أذينة عند عمر بن عبد العزيز فقال: نعم الرجل أبو عامر على أنه الذي يقول:

وقد قالت لأترابٍ لها زهرٍ تلاقينا

وأخبرني بهذا الخبر وكيع قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن الزبير عن محمد بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم عن قسطاس قال: مر ابن عائشة بابن أذينة ثم ذكر الخبر مثل الذي قبله.
اعتراض سكينة على ادعائه العفة

مع شعر قاله

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي والحرمي بن أبي العلاء قالا: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني أبو معاوية عبد الجبار بن سعيد المساحقي وأخبرنا بن وكيع قال: حدثنا أبو أيوب المديني عن الحارث بن محمد العوفي قال: وقفت سكينة بنت الحسين بن علي على عروة بن أذينة في موكبها ومعها جواريها فقالت: يا أبا عامر أنت الذي تزعم أن لك مروءة وأن غزلك من وراء عفة وأنك تقي قال: نعم صوت

قالت وأبثثتها وجدي فبحت به: قد كنت عندي تحب السر فاسـتـتـر
ألست تبصر من حولي فقلت لها: غطى هواك وما ألقى على بصري

قال لها: بلى قالت: هن حرائر إن كان هذا خرج من قلبٍ سليم أو قالت: من قلبٍ صحيح.

في هذين البيتين لعلوية رمل بالبنصر وفيهما لإسحاق هزج بالوسطى وفيهما لمخارق ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي وعمرو بن بانة وذكر حبش أن الثقيل الأول لمعبد اليقطيني.
تمثل المتوكل للمنتصر بشعره

وذكر علي بن محمد بن نصر البسامي أن خاله أبا عبد الله بن حمدون بن إسماعيل قال: كنت جالساً بين يدي المتوكل وبين يديه المنتصر فأحضر المعتز وهو صبي صغير فلعب فأفرط في اللعب والمنتصر يرمقه كالمنكر لفعله فنظر إليه المتوكل عدة دفعات ثم التفت إلى المنتصر فقال: يا محمد:

قالت وأبثثتها وجدي فبحت به: قد كنت عندي تحب الستر فاستتر

قال: فاعتذر إليه المنتصر عذراً قبله وهو مقطب معرض. قال: وكان المنتصر أشد خلق الله بغضاً للمعتز وطعناً عليه. ولقد دخلت إليه يوماً ودخل إليه أبو خالد المهلبي بعد قتل المتوكل وإفضاء الخلافة إليه ومع المهلبي درع كأنها فضة فقال: يا أمير المؤمنين هذه درع المهلب فأخذها وقام فلبسها ورأى المعتز وعليه وشيءٌ مثقل وما أشبه ذلك فتمثل ببيت جرير:

لبست سلاحي والفرزدق لعبةٌ عليه وشاحا كرجٍ وجلاجله

اعترضت امرأة على شعر قاله

أخبرني وكيع قال: حدثني هارون بن محمد قال: حدثني عبد الله بن شعيب الزبيري قال: حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة قال: مرت امرأةٌ بابن أذينة وهو بفناء داره فقالت له: أأنت ابن أذينة قال: نعم قالت: أأنت الذي يقول الناس إنك امرؤٌ صالح وأنت الذي تقول:

إذا وجدت أوار الحب في كبدي عمدت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لحر على الأحشاء يتقد!

أبو السالب المخزومي يطلب إنشاده شعراً قاله عروة أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي عن عروة بن عبد الله وأخبرنا به وكيعٌ عن هارون بن الزيات عن الزبيري عن عمه عن عروة بن عبد الله وذكره حماد عن أبيه عن الزبيري عن عروة هذا قال: كان عروة بن أذينة في دار أبي بالعقيق فسمعه ينشد: صوت

إن التي زعمت فؤادك ملها جعلت هواك كما جعلت هوى لها
فيك الذي زعمت بها وكلاكما يبدي لصاحبه الصبابة كلـهـا
ويبيت بين جوانحي حب لها لو كان تحت فراشها لأقـلـهـا
ولعمرها لو كان حبك فوقها يوماً وقد ضحيت إذاً لأظلـهـا
وإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ شفع الفؤاد إلى الضمير فسلهـا
بيضاء باكرها النعيم فصاغها بلباقةٍ فـأدقـهـا وأجـلـهـا
لما عرضت مسلماً لي حاجةٌ أرجو معونتها وأخشى دلـهـا
منعت تحيتها فقلت لصاحبي: ما كان أكثرها لنـا وأقـلـهـا
فدنا فقال: لعلها معذورةٌ من أجل رقبتها فقلتلـعـلـهـا

قال: فأتاني أبو السائب المخزومي وأنا في داري بالعقيق فقلت له بعد الترحيب: هل بدت لك حاجة فقال: نعم أبيات لعروة بن أذينة بلغني أنك سمعتها منه فقلت له: وأية أبيات فقال: وهل يخفى القمر قوله: إن التي زعمت فؤادك ملها فأنشدته إياها فلما بلغت إلى قوله: ” فقلت: لعلها “. قال: أحسن والله هذا والله الدائم العهد الصادق الصبابة لا الذي يقول:

إن كان أهلك يمنعونك رغبةً عني فأهلي بي أضن وأرغب

اذهب لا صحبك الله ولا وسع عليك – يعني قائل هذا البيت – لقد عدا الأعرابي طوره وإني لأرجو أن يغفر الله لصاحبك – يعني عروة – لحسن ظنه بها وطلبه العذر لها. قال: فعرضت عليه الطعام فقال: لا والله ما كنت لآكل بهذه الأبيات طعاماً إلى الليل وانصرف.
ذكر ما في هذا الخبر من الغناء

في الشعر المذكور فيه لعروة في البيت الأول والرابع من الأبيات خفيف رمل بالوسطى نسبه ابن المكي إلى ابن مسجح وقيل: إنه من منحوله إليه وفيهما وفي البيت الثالث من شعر ابن أذينة

ويبيت بين جوانحي حب لها لو كان تحت فراشها لأقلها

رأي لأبي السائب في شعر قاله

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثنا عمر بن أبي بكر المؤملي قال: أخبرنا عبد الله بن أبي عبيدة قال: قلت: لأبي السائب المخزومي: ما أحسن عروة بن أذينة حيث يقول: صوت

لبثوا ثلاث منى بمنزل غبطةٍ وهم على غرض لعمرك ما هم
متجاورين بغير دار إقامةٍ لو قد أجد رحيلهـم لـم ينـدمـوا
ولهن بالبيت العتيق لبانةٌ والبيت يعرفـهـن لـو يتـكـلـم
لو كان حياً قبلهن ظعائناً حيا الحطيم وجـوهـهـن وزمـزم
وكأنهن وقد حسرن لواغباً بيضٌ بأكناف الحـطـيم مـركـم

في هذه الأبيات الثلاثة لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.
قال: فقال: لا والله ما أحسن ولا أجمل ولكنه أهجر وأخطل في صفتهن بهذه الصفة ثم لا صوت

تفرق أهواء الحجيج على منى وصدعهم شعب النوى صبح أربع
فريقان: منهم سالكٌ بطن نخلة وآخر منهم سالك بطن تـضـرع

– في هذين البيتين للدلال ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي وحبش -.

فلم أر داراً مثلها غبطةٍ وملقى إذا التف الحجيج بمجمع
أقل مقيماً راضياً بمكانه وأكثر جاراً ظاعنـاً لـم يودع

انظر إليه كيف تقدمت شهادته علمه وكبا لسانه ببيانه وهل يغتبط عاقل بمقام لا يرضى به ولكن مكرهٌ أخوك لا بطل والعرجي كان أوفى بالعهد منهما وأولى بالصواب حيت تعرض لها نافرةً من منى فقال لها عاتباً مستكيناً:

عوجي علي فسلمي جبر فيم الصدود وأنتم سفر!
ما نلتقي إلا ثلاث منى حتى يفرق بيننا النـفـر

في هذين البيتين غناء قد تقدمت نسبته في أخبار ابن جامع في أول الكتاب.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني جعفر بن موسى اللهبي قال: كان عبد الملك بن مروان إذا قدم مكة أذن للقرشيين في السلام عليه فإذا أراد الخروج لم يأذن لأحد منهم وقال: أكذبنا إذاً قول الملحى – يعني كثيراً – حيث يقول:

تفرق أهواءالحجيج على منى وصدعهم شعب النوى صبح أربع

وذكر الأبيات الأربعة.
خالد صامة يغني شعره بين يدي الوليد

أخبرنا علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: حدث الزبيري عن خالد صامة وكان أحد المغنين قال: قدمت على الوليد بن يزيد فدخلت إليه وهو في مجلس ناهيك به وهو على سرير وبين يديه معبد ومالك وابن عائشة وأبو كامل فجعلوا يغنون حتى بلغت النوبة إلي فغنيته: صوت

سرى همي وهم المرء يسري وغار النجم إلا قيس فتر
أراقب في المجرة كل نجمٍ تعرض للمجرة كيف يجري
لهم ما أزال له مديماً كأن القلب أضرم حـر جـمـر

فقال لي الوليد: أعد يا صام ففعلت فقال لي: من يقول هذا الشعر قلت: عروة بن أذينة يرثي أخاه بكراً. فقال لي: وأي العيش لا يصفو بعده هذا العيش والله الذي نحن فيه على رغم أنفه والله لقد تحجر واسعاً.
لابن سريج في هذه الأبيات ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو ابن المكي وغيرهما وفيها رمل ينسب إلى ابن عباد الكاتب وإلى حاجب الحزور وإلى مسكين بن صدقة.
حدثنا الأخفش عن محمد بن يزيد قال: قال الزبيري: حدثت أن سكينة بنت الحسين أنشدت هذا الشعر فقالت: من بكر هذا أليس هو الأسود الدحداح الذي كان يمر بنا قالوا: نعم فقالت: لقد طاب كل شيء بعده حتى الخبز والزيت.
اعترض ابن أبي عتيق على شعره

في رثاء أخيه فخاصمه

 

وأخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي قال: لقي ابن أبي عتيق عروة بن أذينة فأنشده قوله: حتى فرغ منها ثم أنشده: سرى همي وهم المرء يسري حتى بلغ إلى قوله: وأي العيش يصلح بعد بكر! فقال له ابن أبي عتيق: كل العيش والله يصلح بعده حتى الخبز والزيت. فغضب عروة من قوله وقام عن مجلسه وحلف ألا يكلمه أبداً فماتا متهاجرين.
هذه بعض القصائد والأشعار من ديوان الشاعر عروة بن أذينة الكناني من كاب منتهى الطلب من أشعار العربلابن المبارك:


هو الشاعر ( عروة بن يحيى بن مالك بن الحارث بن عمرو بن عبد الله بن رجل بن يعمر الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة ) ، وهو شاعر مديني سكن المدينة المنورة وتوفي فيها سنة 130 هـ / 747 م


وهذه بعض قصائد الشاعر عروة بن أذينة الليثي الكناني:


أمن حب سعدى وتذكارها … حبست تبلد في دارها

مديما ونفسك معنية … تكاد تبوح بأسرارها
على اليأس من حاجة أضمرت … فشقت عليك بأضمارها
وقد أورثت لك منها جوى … نصيبا على بعد مزدارها
ألا حبذا كيف كان الهوى … سعاد وسالف أعصارها
وشرخ الشباب الذي فاتنا … ودنيا تولت بأدبارها
رأت وضح الشيب في لمتي … فهاج تقضي أوطارها
فجنت من الشيب واسترجعت … وأنفرها فوق إنفارها
مباعدة بعد أزمانها … بملحاء ريم وأمهارها
فبتت قوى الحبل مصبوبة … على نقضها بعد إمرارها
وقد هاج شوقك بعد السلو … مشبوبة من سنا نارها
بثغرة يوقدها ربرب … كعين المها بين دوارها
حسان السوالف بيض الوجوه … منها الخطى قدر أشبارها
تكاد إذا دام طرف الجليس … يكلم رقة أبشارها
يطفن بخود لباخية … كشمس الضحى تحت أستارها
أجرتك حبلك في حبها … فطال العناء بأجرارها
وكم ليلة لك أحييتها … قصير بها ليل سمارها
بعون عليهن من بهجة … وحسن غضاضة أبكارها
خرجن إلينا على رقبة … خروج السحاب لأمطارها
بزي جميل كزهر الرياض … أشرق زاهر نوارها
يعدن مواعد يلوينها … فلا بد من بعد إنظارها
فلو معسرات فيدفعننا … بعسر عذرنا بأعسارها
ولكن يجدن فيمطلننا … بلي الديون وإنكارها
ألم تعنك الظعن الموجعات … حب القلوب بأبكارها
على كل وهم طويل القرى … وعيهلة عبر أسفارها
عراهم مرغدة كالصروح … قد عدلت بعد تهدارها
كأن أزمتها في البرى … أراقم نيطت بأذرارها
تفوت العيون ببعد المدى … وتتبعها طرف أبصارها
وفتيان صدق دعوا للصبى … فشدوا المطي بأكوارها
فهذا لهذا وقل مدحة … تسير غرائب أشعارها
محبرة نسجها مترص … على حسنها وشي أنيارها
لأهل الندى وبناة العلى … وصيد معد وأخيارها
كنانة من خندف قادة … لورد الأمور وإصدارها
لنا عز بكر وأيامها … ونصر قريش وإنصارها
وما عز من حان في حربهم … بضغم الأسود وتهصارها
غلبنا الملوك على ملكهم … وفتنا العداة بأوتارها
فضلنا العباد بكل البلاد … عزا أخذنا بأقطارها
وخندف تخطر من دوننا … ومن ذا يقوم لتخطارها
وقيس وحيا نزار معا … بحور تجيش بتيارها
أبرت على الناس أيامهم … فهم عارفون بأبرارها
تقر القبائل من طولهم … بفضل فما بعد إقرارها

وقال عروة أيضا:

سرى لك طيف زار من أم عاصم … فأحبب به من زور جاف مصارم
ألم بنا والركب قد وضعتهم … نواجي السرى قود بأغبر قاتم
أناخوا فناموا قد لووا بأكفهم … أزمة خوص كالسمام سواهم
فبت قرير العين ألهو بغادة … طويلة غصن الجيد ريا المعاصم
رخيمة أعلى الصوت خود كأنها … غزال يراعي واشحا بالصرائم
فيا لك حسنا من معرس راكب … ولذته لو كنت لست بحالم
فطرت مروعا لا أرى غير أينق … وقعن بجو بين شعث المقادم
ثنى سيرهم دأب السرى فتجدلوا … عن العيس إذا ملوا عناق القوادم
فقلت وأنى من عصيمة فتية … أناخوا بخرق لغبا كالنعائم
وقد رجمت شهرا يدور بها الكرى … ذوائبهم ميل الطلى والعمائم
كتمت لها الأسرار غير مثيبة … ولا تصلح الأسرار إلا بكاتم
فلم تجزني إلا البعاد فليتني … بذلك من مكتومها غير عالم
لقد علمت قيس وخندف أننا … فسل كل قوم علمهم بالمواسم
ضربنا معدا قاطبين على الهدى … بأسيافنا نذري شؤون الجماجم
وقمنا على الإسلام حتى تبينت … شرائع حق مستقيم المخارم
وقدنا الجياد المقربات على الوجا … إلى كل كلحا في الشكائم
إذا صبحت حيا عليهم ضيافة … بفرسانهم أعضضنهم بالأباهم
على كل كردوس يجالد حازم … رئيس لمعروف الرئاسة حازم
فوارسها تدعو كنانة فيهم … صناديد نزالون عند الملاحم
ونتبع أخراها كتائب مصدق … تزيف بأولاها حماة البوازم
مصاليت ورادون في حمس الوغى … ردى الموت خواضون غبر العظائم
إذا قرعتنا الحادثات سما لنا … بنوا الحرب والكافون ثقل المغارم
نجوم أضأت في البلاد بأهلها … وقام بها في الحق فيء المقاسم
ملوك مناجيب الفحول خضارم … بحور وأبناء البحور الخضارم
بنى لي عز المكرمات مقدما … لنا المجد آباء بناة المكارم
لهاميم من فرعي كنانة مجدهم … تليد له عز الأمور الأقادم
غلبنا على الملك الذي نحن أهله … معدا وفضضنا ملوك الأعاجم
وأنسابنا معروفة خندفية … فأنى لها بالشتم ضر المشاتم
سبقنا أضاميم الزمان فقد مضى … لنا السبق غايات الذكور الصلادم
ونحن أكلنا الجاهلية أهلها … غوارا وشذبنا مجير اللطايم
وكان لنا المرباع غير تنحل … وكل معد في جلود الأراقم
مضرين بالأعداء من كل معشر … نهين معاطيس الأنوف الرواغم
إذا رامنا عريض قوم بشغبة … تذبذب عن مرداة مجد قماقم
ونحن على الإسلام ضارب جمعنا … فأعطي فلجا كل جمع مصادم
ونحن ولاة الأمر ما بعد أمرنا … مقال ولا مغدى لخصم مخاصم
ورثنا رسول الله إرث نبوة … ومخلاف ملك تالد غير دائم
وعلياء من بيت النبي تكنفت … مناسبها حومات أنساب هاشم
وملكا خضما سل بالحق سيفه … على الناس حتى حاز نقش الدراهم
وقام بدين الله يتلو كتابه … على الناس منا مرسل جد قائم
ففينا الندى والباع والحلم والنهى … وصولات أيد بادرات الجرائم
وعز كناني يقود خطامه … معدا ولم يطمع به حبل خاطم
لنا مقرم سام يهد هديره … مسامات صيد المقربات الصلاقم
وما زال منا للأمور مدبر … يقود الملوك ملكه بالخزايم
وراع لأعقاب العشيرة حافظ … يجود بمعروف كثير لسايم
لعمرك ما زلنا فروع دعامة … لنا فضلها المعروف فوق الدعايم
وإني لطلاع النجاد فوارد … على الحزم قوام كرام المقاوم
عطوف على المولى وإن ساء نصره … كسوب خلال الحمد عف المطاعم
أبي إذا سيم الظلامة باسل … عزيز إذا أعيت وجوه المظالم
ونحن أناس أهل عز وثروة … ودفاع رجل كالدبا المتراكم
مجالس فتيان كرام أعزة … ونادي كهول كالنسور القشاعم
إذا فزعوا يوما لروع توهست … جيادهم بالمعلمين الخلاجم
صبحناهم حر الأسنة بالقنا … ضحى ثم وقع المرهفات الصوارم
فكانوا خلى حرب لنا التهمتهم … ونحن بنو عصل الحروب الكواهم
وجار منعناه فقر جنابه … ونام وما جار الذليل بنائم
وكنا له ترسا من الخوف يتقي … بنا شوكة الأعداء أهل النقايم
ومولى ثمال كل حق يربه … على ماله حتى تلاد الكرائم
ومعترك بالشر ينظر نظرة … ولا تنطق الأبطال غير غماغم
به قد شهدناه وفزنا بذكره … وجئنا بأسلاب له وغنائم
وأصيد ذي تاج غللنا يمينه … إلى الجيد في يوم من الحرب جاحم
فحث حثيث الخيل يرجم عدوه … به حث مشبوب من النقع هاجم
وضيف سرى أرغى هدوا بعيره … ليقرى فعجلنا القرى غير عاتم
وكانت لنا دون العيال ذخيرة … نخص بها حتى غدا غير لائم
وداع لمعروف فزعنا لصوته … بلبيك في وجه له غير واجم
فخيرته مالا طريفا وتالدا … يصون به عرضا له غير نادم
وذي شنآن طاف بي فانتهزته … بناب حديد حين يضغم كالم
فكيف يسامي ماجدا ذا حفيظة … جموحا على درء الألد المراجم
لئيم ربا واللؤم في بطن أمه … وقلده في المهد قبل التمائم


أنا ابن حماة العالمين وراثة … وأعظمهم جرثومة في الجرائم
وأمنعهم دارا وأكثرهم حصى … وأدفعهم عن جاره للمظالم

وقال عروة بن أذينة أيضا:

أهاجتك دار الحي وحشا جنابها … أبت لم تكلمنا وعي جوابها
نعم ذكرتنا ما مضى وبشاشة … إذا ذكرتها النفس طال انتحابها
وعيشا بسعدى لان ثم تقلبت … به حقبة غال النفوس انقلابها
كأن لم يكن ما بيننا كان مرة … ولم تغن في تلك العراص قبابها
ألا لن يعود الدهر خلة بيننا … ولكن إياب القارظين إيابها
وعهدي بها ذوابة الطرف تنتهي … إلى رملة منها هيال حقابها
وما فوقه لدن العسيب وشاحه … يغني الحشا أثناؤها واضطرابها
وتضحك عن حمش اللثاث كأنما … نشا المسك في ذوب النسيل رضابها
على قرقف شجت بماء سحابة … لشرب كرام حين فت قطابها
لها وارد دان على جيد ظبية … بسائلة ميثاء عفر ذئابها
دعاها طلا خافت عليه بجزعها … كواسب لحم لا يمن اكتسابها
إذا سمعت منه بغاما تعطفت … وراع إليه لبها وانسلابها
ألمت بنا طيفا تسدى ودونه … مخاريق حسمى قورها وهضابها
كأن خزامى طلة ضافها الندى … وفارة مسك ضمنتها ثيابها
فكدت لذكراها أطير صبابة … وغالبت نفسا زاد شوقا غلابها
إذا اقتربت سعدى لججت بهجرها … وإن تغترب يوما يرعك اغترابها
ففي أي هذا راحة لك عندها … سواء لعمري نأيها واقترابها
تباعدها عند الدنو وربما … دنت ثم لم ينفع وشد حجابها
وفي النأي منها ما علمت إذا النوى … تجرد ناويها وشدت ركابها
كفى حزنا ألا تزال مريرة … شطون بها تهوي يصيح غرابها
يقول لي الواشون سعدى بخيلة … عليك معن ودها وطلابها
فدعها ولا تكلف بها إذ تغيرت … فلم يبق إلا هجرها واجتنابها
فقلت لهم سعدى علي كريمة … وكالموت بله الصرم عندي عتابها
فكيف بما حاولتم إن خطة … عرضتم بها لم يبق نصحا خلابها
وسعدى أحب الناس شخصا لو أنها … إذا أصقبت زيرت وأجدى صقابها
ولكن أتى من دونها كلم العدى … ورجم الظنون جورها ومصابها
فأمست وقد جذت قوى الحبل بغتة … وهرت وكانت لا تهر كلابها
وعاد الهوى منها كظل سحابة … ألاحت ببرق ثم مر سحابها
فلا يبعدن وصل لها ذهبت به … ليال وأيام عنانا ذهابها
ولا لذة العيش الذي لن يرده … على النفس يوما حزنا واكتئابها
ولا عبرات يترع العين فيضها … كما فاض من شك الصناع طبابها
إذا أغرقت إنسانها وسواده … تداعى بملء الناظرين انسكابها
ومن حب سعدى لا أقول قصيدة … أرشحها إلا لسعدى شبابها
لها مهل من ودنا ومحلة … من القلب لم تحلل عليها شعابها
فإن تك قد شطت بها غربة النوى … وشرف مزدارا عليك انتيابها
فقد كنت تلقاها وفي النفس حاجة … على غير عين خاليا فتهابها
وتشفق من إحشامها بمقالة … إذا حضرت ذا البث غلق بابها
فلا وأبيها ما دعانا تهالك … إلى صرمها إن عن عنا ثوابها
وما زال يثنيني على حب غيرها … وإكرامه إكرامها وحبابها
وقولي عسى أن تجزني الود أو ترى … فتعتب يوما كيف دأبي ودأبها
وكم كلفتنا من سرى حد ليلة … حبيب إلى الساري المجد انجيابها
كأن على الأشراف ضرب جليدة … ندائف برس جللته حدابها
ومن فور يوم ناجم متضرم … بأجواز موماة تعاوى ذئابها
يظل المها فيها إلى كل مكنس … دموحا إذا ما الشمس سال لعابها
ووالى الصرير الجندب الجون وارتقت … حرابي في العيدان حان انتصابها
تكاد إذا فارت على الركب تلتظي … وديقتها يشوي الوجوه التهابها

قطعت بمجذام الرواح شملة … إذا باخ لوث العيس ناج هيابها
سفينة بر حين يستوقد الحصى … ويزدال في البيد الشخوص سرابها
وإني لمن جرثومة تلتقي الحصى … عليها ومن أنساب بكر لبابها
ومن مالك آل القلمس فيهم … لنا سر أعراق كريم نصابها
وعبد مناة الأكثرون لعزهم … بوادر يخشى حدها وذبابها
عرانين تنميها كنانة قصرة … نصاب قريش في الأروم نصابها
وفرع قريش فرعنا وانتسابنا … إلى والد محض إليه انتسابها
قرابتنا من بين كل قرابة … وليس بدعوى جل عنها اجتلابها
ومكة من ينكر من الناس يلقنا … بمعرفة بطحاؤها وخشابها
فنحن خيار الناس كل قبيلة … تذل بما نقضي عليها رقابها
ورثنا رسول الله بعد نبوة … خلافة ملك لا يرام اغتصابها
وعدلا وحكما تنتهي عند فضله … ونخمد نار الحرب يصرف نابها
وما جبل إلا لنا فوق فرعه … فروع جبال مشمخر صعابها
وهل أحد إلا وطئنا بلاده … بملمومة الأركان ذاك شهابها
كتائب قد كادت كراديس خيلها … يسد استجارا مطلع الشمس غابها
لو أن جموع الجن والإنس أجلبت … لنا صدها عما تريد ضرابها
لنا نسب محض وأحلام سادة … بحور لدى المعروف طام عبابها
وألوية يمشون للموت تحتها … إذا خفقت مشي الأسود عقابها
هم يحلبون الحرب أخلاف درها … ويمرونها حتى يغيض حلابها
وهم خير من هز المطي وأقصرت … جمار منى يوما ولفت حصابها
وأكرم من يمشي على الأرض صفيت … لهم طيبة طابت وطاب ترابها
ملوك يدينون الملوك إذا أبوا … فلم يأذنوا لم يرج كرها خطابها
وما في يد نلنا بها من ذا حمية … وإن ذاق طعم الذل إلا احتسابها
إذا ما رضوا كان الرضاء رضاءهم … وإن غضبوا أوهى الأديم غضابها
ولولاهم لم يهتد الناس دينهم … وضلوا ضلال النيب تعوي سقابها
ولم يهلكوا إلا على جاهيلة … عصاها عليهم ترتب وعذابها
ولكن بها بعد الإله تبينوا … شرائع حق كان نورا صوابها
وما أخذت في أول الأمر عصبة … لنا صفرت من نصح جيب عيابها
ونحن وجوه المسلمين وخيرهم … نجارا كما خير الجياد عرابها

وقال عروة بن أذينة:

صرمت سعيدة صرما نجاثا … ومنتك عاجل بذل فراثا
وأصبحت كالمستبيث الجواد … فينا فأوجعه ما استباثا
كذي الكلم دامله ثم خاف … منه خلاف الجفوف انتكاثا
وللصرم هول على ذي الهوى … وإن لج يدعو إليه احتثاثا
إذا ذاقه لم يجد راحة … تعدى ولم يلق منه غياثا
وعهدي بسعدى لها بهجة … كأم الأديغم تقرو براثا
تنسسه وترى أنه … صغير وقد رشحته ثلاثا
خلال ظلال أراك الأميل … يجني بريرا وطورا كباثا
وما ذكر سعدى وقد باعدت … وعاد قوى الحبل منها رماثا
لعمري لئن ربع سعدى عفا … بشوظى لقد ضم بيضا دماثا
فبن وفيهن ما لو أقام … أقللت عمن يبين اكتراثا
كأن القلائد في جيدها … إلى حيث يعقد منها الرعاثا
من الدر يحفل ياقوته … كجمر الغضا يتلظى مجاثا
على ظبية مغزل أشرفت … لخشف لها لم يلحها ارتغاثا
وقد أضمن السر مستودعا … يسايل من سال عنه نقاثا
وأطوي الخليل على حالة … إذا ضمن السر إلا انقباثا
وضيف خرجت إلى صوته … أرحب لم ير مني التباثا
أناخ فعجلت حق القرى … وكنت به لا أحب اللباثا
ومولى مسيء إلى نفسه … كحاثي التراب عليه انبثاثا
يضل عن الرشد في رأيه … ويأبى إلى الغي إلا انخثاثا
أقمت له الزيغ من رأيه … وبالخير نحوي من الشر لاثا

وقوم غضاب ولم أشكهم … تغشونني حسدا وابتحاثا
ويهدون لي منهم غيبة … يعضل دوني عوجا رثاثا
أمر فيغضون من ظنتي … كأنهم يكلحون الكراثا
وتعطي المحاول تحميلهم … خلائق منهم لئاما خباثا
لهم مجلس يهجرون التقى … وينتجثون القبيح انتجاثا
إذا أصبحوا لم يقولوا الخنا … ولم يأكلوا الناس أضحوا غراثا
تجاوزت عن جهلهم رغبة … وهم يعرضون لحوما غثاثا
ولو شئت نحيت عيدانهم … عن النبع لم يك صم اعتلاثا
ولكن نرى الحلم فضلا ولا … نحاول قطع الأصول اجتثاثا
ونزلتهم قدر أحسابهم … موالي كانوا لنا أو تراثا
نكون لهم خطرا مثلهم … ومن شاء خار بقول وهاثا
إذا كان ليث الشرى ثعلبا … وأصبح صقر عتيق بغاثا
أعد أسامة أو ذا الشياح … بلعاء في رهطهم أو قباثا
ألاك بنو الحرب مشبوبة … تجر الدماء وتلغي المغاثا
صناديد غلب كأسد الغريف … خضما وهضما وضغما ضباثا
ولسنا كمن ينثني صدقه … كأن العدو به الملح ماثا
تطيع إذا النصح يوما بدا … وتأبى مرارا فتعصي حناثا