ذكروا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان لا يعدل بقبائل ربيعة أحدا من الناس في وقعة صفين ، فشق ذلك على قبائل مضر وأظهروا لهم القبيح وأبدوا ذات أنفسهم، فقال حضين بن المنذر بن الحارث الرقاشي الشيباني البكري – من ربيعة – شعرا أغضب فيه قبائل مضر قائلا:
رأت مضر صارت ربيعة دونهم * شعار أمير المؤمنين وذا الفضل
فأبدوا لنا مما تجن صدورهم * علينا من البغضا وذاك له أصل
فقلت لهم لما رأيت رجالهم * عيونهم خزر كأن بهم ثقل
إليكم أهيبوا لا أبا لأبيكم * فإن لكم شكلا وإن لنا شكل
ونحن أناس خصنا الله بالتي * رآنا لها أهلا وأنتم لها أهل
فأبلوا بلانا أو أقروا بفضلنا * ولن تلحقونا الدهر ما حنت الإبل
فغضب المضريون من شعر حضين،
فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي الكناني في وجوه بني كنانة ، و عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة الدارمي التميمي في وجوه بني تميم ، و قبيصة بن جابر بن وهب بن مالك الأسدي في وجوه بني أسد ، و عبد الله بن الطفيل بن ثور بن معاوية العامري الهوازني في وجوه هوازن،
فأتوا علي بن أبي طالب فتكلم أبو الطفيل الكناني فقال:
” يا أمير المؤمنين، إنا والله ما نحسد قوما خصهم الله منك بخير إن أحمدوه وشكروه، وإن هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا، وأنك لهم دوننا، فأعفهم عن القتال أياما، واجعل لكل امرئ منا يوما يقاتل فيه، فإنا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا “.
فقال علي: أعطيتم ما طلبتم يوم الأربعاء، وأمر ربيعة أن تكف عن القتال، وكانت بإزاء اليمن من صفوف أهل الشام.
فغدا أبو الطفيل عامر بن واثلة في قومه من كنانة وهم جماعة عظيمة، فتقدم أمام الخيل وهو يقول:” طاعنوا وضاربوا “. ثم حمل وهو يقول:
قد صابرت في حربها كنانة * والله يجزيها بها جنانه
من أفرغ الصبر عليه زانه * أو غلب الجبن عليه شانه
أو كفر الله فقد أهانه * غدا يعض من عصى بنانه
فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرف أبو الطفيل إلى علي فقال:
” يا أمير المؤمنين، إنك نبأتنا أن أشرف القتل الشهادة، وأحظى الأمر الصبر، وقد والله صبرنا حتى أصبنا، فقتيلنا شهيد، وحينا ثائر ، فاطلب بمن بقي ثأر من مضى، فإنا وإن كان قد ذهب صفونا وبقي كدرنا فإن لنا دينا لا يميل به الهوى، ويقينا لا يزحمه الشبهة “.
فأثنى علي عليه خيرا، ثم غدا يوم الجمعة عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم، وهو يومئذ سيد مضر من أهل الكوفة، فقال:
” يا قوم، إني أتبع آثار أبي الطفيل فاتبعوا آثار كنانة “. فتقدم برايته وهو يقول:
قد ضاربت في حربها تميم * إن تميما خطبها عظيم
لها حديث ولها قديم * إن الكريم نسله كريم
إن لم تردهم رايتي فلوموا * دين قويم وهوى سليم
فطعن برايته حتى خضبها دما، وقاتل أصحابه قتالا شديدا حتى أمسوا، وانصرف عمير إلى علي وعليه سلاحه فقال:
” يا أمير المؤمنين، قد كان ظني بالناس حسنا، وقد رأيت منهم فوق ظني بهم، قاتلوا من كل جهة، وبلغوا من عفوهم جهد عدوهم، وهم لهم إن شاء الله “.
ثم غدا يوم السبت قبيصة بن جابر الأسدي في بني أسد، وهم حي الكوفة بعد همدان، فقال:
” يا معشر بني أسد، أما أنا فلا أقصر دون صاحبي، وأما أنتم فذاك إليكم ” ثم تقدم برايته وهو يقول:
قد حافظت في حربها بنو أسد * ما مثلها تحت العجاج من أحد
أقرب من يمن وأنأى من نكد * كأننا ركنا ثبير أو أحد
لسنا بأوباش ولا بيض البلد * لكننا المحة من ولد معد
كنت ترانا في العجاج كالأسد * يا ليت روحي قد نأى عن الجسد
فقاتل القوم ولم يكونوا على ما يريد في الجهد، فعذلهم على ما يجب فظفر، ثم أتى عليا فقال:
” يا أمير المؤمنين، إن استهانة النفوس في الحرب أبقى لها، والقتل خير لها في الآخرة “.
ثم غدا يوم الأحد عبد الله بن الطفيل العامري وكان سيد بني عامر، فغدا بجماعة هوازن وهو يقول:
قد ضاربت في حربها هوازن * أولاك قوم لهم محاسن
حبي لهم حزم وجأشي ساكن * طعن مداريك وضرب واهن
هذا وهذا كل يوم كائن * لم يخبروا عنا ولكن عاين
واشتد القتال بينهم حتى الليل، ثم انصرف عبد الله بن الطفيل فقال:
“يا أمير المؤمنين، أبشر، فإن الناس نقمة، لقيت والله بقومي أعدادهم من عدوهم، فما ثنوا أعنتهم حتى طعنوا في عدوهم، ثم رجعوا إلى فاستكرهوني على الرجوع إليهم، واستكرهتهم على الانصراف إليك، فأبوا ثم عادوا فاقتتلوا “.
فأثنى علي عليهم خيرا، وفخرت المضرية بما كان منهم على الربعية، وانتصفوا من الربعية وظهر أثرهم وعرف بلاؤهم. وقال عامر بن واثلة الكناني:
حامت كنانة في حربها * وحامت تميم وحامت أسد
وحامت هوازن يوم اللقا * فما خام منا ومنهم أحد
لقينا قبائل أنسابهم * إلى حضرموت وأهل الجند
لقينا الفوارس يوم الخميس * والعيد والسبت ثم الأحد
وأمدادهم خلف آذانهم * وليس لنا من سوانا مدد
فلما تنادوا بآبائهم * دعونا معدا ونعم المعد
فظلنا نفلق هاماتهم * ولم نك فيها ببيض البلد
ونعم الفوارس يوم اللقاء * فقل في عديد وقل في عدد
وقل في طعان كفرغ الدلاء * وضرب عظيم كنار الوقد
ولكن عَصَفنَا بهم عصفة * وفي الحرب يمن وفيها نكد
طحنا الفوارس وسط العجاج * وسقنا الزعانف سوق النقد
وقلنا علي لنا والد * ونحن له طاعة كالولد
وكان أبو الواقف الليثي الكناني يوم صفين يرتجز قائلا:
سائل بنا يوم لقينا الأزدا * والخيل تعدو سفرا ووردا
لما قطعنا كفها والزندا * فاستبدلوا بغيا وباعوا الرشدا
وضيعوا فيما أرادوا رشدا * سحقا لهم في رأيهم وبعدا
من كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري وكتاب الفتوح لأحمد بن أعثم وكتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد بتصرف
