شيخ الاسلام أمير المؤمنين في الحديث الإمام القدوة ابن حجر العسقلاني الكناني

خاتمة الحفاظ والمحققين ،الامام القدوة:ابن حجر العسقلانى.

بسم الله الرحمن الرحيم:

نواصل التعريف بعلمائنا الدْين خدموا الاسلام والمسلمين ،وكان لهم جهد مشكور فى الدفاع عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ،ورد كيد المشككين والطاعنين والداسين فيها ما ليس منها ،واليوم نقف مع جبل من جبال الحفظ ،ألا وهو خاتمة الحفاظ والمحققين ،وعند اطلاق كلمة الحافظ تنصرف اليه دون غيره من الحفاظ مع كثرتهم ،وما هدْا الا لعلو كعبه فى علوم السنة والحديث،ونبدأ بالتعريف به ،والله الموفق لا رب سواه.
التعريف به:
هو أبو الفضل ، شهاب الدين ، أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني ،العسقلاني ، حافظ الدنيا في عصره ، قال السخاوي في( الجواهر والدرر) ، عرف بابن حجر : لقب لبعض آبائه ، ولد رحمه الله بمصر القديمة
في 12 شعبان من سنة 773 هـ . نشأ يتيما إذ توفى عنه أبوه وأمه وهوطفل ، وتربّى في كنف وصيّه الزكي الخروبي .
طلبه للعلم :
أدخل الكتاب وعمره خمس سنوات ، وكان سريع الحفظ ، فحفظ القرآن وهوابن تسع ، وخفظ كتاب العمدة ، والحاوي الصغير ، وألفية العراقي في علوم الحديث ، ومختصر ابن الحاجب في الأصول وغيرها من الكتب
النافعة وهو صغير ، فلما بلغ لازم مشايخ كثيرين يعتبرون في ذلك العصر من أئمة علومهم ورحل إل أماكن كثيرة منها ، مكة ، دمشق ،اليمن ، بيت المقدس ، الرملة ، نابلس ، غزة….
شيوخه:
تتلمذ الحافظ ابن حجر على الكثير من العلماء أهمهم :
1-الشمس ابن القطان لازمه في علم الفقه والعربية والحساب وغيرها .
2-النور الآدمي لازمه في الفقه والعربية أيضا .
3-برهان الدين الأبناسي .
4-سراج الدين البلقيني .
5-ابن الملقن ، وقد لازم هؤلاء الثلاثة في علم الفقه .
6-العز بن جماعة وقد لازمه في غالب الفنون ، فدرس عليه جمع الجوامع في أصول الفقه والمنهاج في الفقه الشافعي وسائر علوم الآلة .
7-العماري : أخذ عنه العربية .
8- البدر البشتكي لازمه في الأدب والعروض .
9-ابن الجزري إمام القراءات في زمانه أخذ عنه الحافظ علم القراءات……..

تلاميذه :
نظرا لما بلغه الحافظ ابن حجر من علم وحفظ وفقه واجتمعت فيه الآلة الكاملة ، رحل إليه طلبة العلم من كل مكان ومن أشهر من تخرج عليه أو طلب العلم عليه :
1-زفر بن محمد الأنصاري .
2-شمس الدين السخاو ي.
3-برهان الدين ابراهيم القلقشندي .
4-يوسف بن تغري بردى الأتابكي .
5-العز بن فهد .
6-ابن قاضي عجلون .
7-البرهان البقاعي .
8-ابن أمير حاج من علماء الحنفية ………
ثناء العلماء عليه :
قال بعض العلماء فيه ( كان شاعرا طبعا ، محدثا صناعة ، فقيها تكلفا ) .
1-وقد اعتبره شيخه الحافظ العراقي ( أعلم أصحابه بالحديث ) .
2-وقال التقي الفاسي والبرهان الحلبي ( مارأينا مثله ) الضوء اللامع .
3-وقال ابن العماد : شيخ الاسلام ، علم الأعلام ، أمير المؤمنين في الحديث حافظ العصر .
4-وصفه الشوكاني بأنه ( الحافظ الكبير الشهير الإمام المنفردبمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخرة ، حتى صار اطلاق الحافظ عليه كلمة اجماع ، البدر الطالع .
الوظائف التي تقلدها :
درس ابن حجر وأفتى وأملى وتولى عدة وظائف هامة في ذلك العصر :
1-تولى الافتاء بدار العدل .
2-ونهض بمهمة الخطابة في الجامع الأزهر ثم بجامع عمرو بن العاص .
3-وتولى منصب قاضي القضاة (21سنة ) .
4-درس بعدّة مدارس منها الحسنية والمنصورية والجمالية والبيبرسية والزينية والشيخونية والصالحية وغيرها كثير .
5-تولى أمانة خزانة المكتبة المحمودية وعمل لها فهرسا .
مؤلفاته :
ألف الحافظ ابن حجر المؤلفات المفيدة وفي علوم متنوعة لكن غلب عليها علم الحديث ورجالاتها .
وابتدأ التصنيف في حدود سنة 796هـ ، وكان سريع الكتابة ، انتشرت كتبه في عصره ، وزادت على 150 كتابا، وتهادتها الملوك والأعيان، واعتنى بتحصيلها كثير من شيوخه وأقرانه ، هذا وقد عقد الدكتورشاكر محمود عبد المنعم في دراسته عن ابن حجر فصلا خاصا بمؤلفاته ، ونحن نكتفي بذكر بعضها ومن أراد المزيد فليرجع إلى المراجع الأصلية الكثيرة .
1-فتح الباري شرح صحبح البخاري .
2-النكت على ابن الصلاح .
3-الإصابة في تمييز الصحابة .
4-لسان الميزان .
5-تعجيل المنفعة بزوائد الأئمة الأربعة .
6-الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة .
7-انباء الغمر في أنباء العمر .
8-رفع الاصر عن قضاة مصر .
9-تهذيب التهذيب …………..الخ.
أخلاقه:
كان متواضعا حليما ، صورا ، ظريفا ، ورعا ، لطيفا متأدبا مع الأئمة والمتأخرين ، بل ومع كل من يجالسه من كبير وصغير ، محبا لأهل الفضل ، دائم الذكر لهم ، كريما مفضالا ، متينا في دينه ،حسن الخلق ، حسن التعبير ، وقورا ، ذا هيبة .
وفاته :
توفي رحمه الله في ليلة السبت المسفرة عن اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة (852هـ) وكان له مشهد لم ير من حضره من الشيوخ-فضلا عمن دونهم- مثله ، وشهد الصلاة عليه الخليفة والسلطان الظاهرجقمق ، وصلّى عليه العلم البلقيني بإذن الخليفة ، وكان ممن حمل نعشه السلطان فمن دونه ، من الرؤساء والعلماء .
فرحمه الله رحمة واسعة وألحقنا بالصالحين من أهل العلم غير مبدلين ولا مغيرين وحشرنا الله تحت لواء حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم

نسبه:
هو أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر الشافعي العسقلاني الأصل المصري المولد.

المولد والنشأة:
ولد المحدث الجليل بمدينة الفسطاط في الثالث والعشرين من شعبان سنة 773هـ ، وكان والده عالماً أديباً ثرياً، وأراد لابنه أن ينشأ نشأة علمية أدبية إلا أنه توفي ولم يزل أحمد طفلاً فكفله أحد أقارب والده زكي الدين الخروبي كبير تجار الكارم بمصر، فرعاه الرعاية الكاملة وأدخله الكُتّاب فظهر نبوغه المبكر فقد أتم حفظ القرآن الكريم وهو ابن خمس سنين ووصف بأنه كان لا يقرأ شيئاً إلا انطبع في ذهنه.

رحلاته في طلب العلم:
1- رحل إلى مكة سنة 785هـ وأقام بها سنة ودرس خلالها الحديث على يد الشيخ عبدالله بن سليمان النشاوري ، وقد قرأ عليه صحيح البخاري وسمع في مكة من الشيخ جمال الدين بن ظهيرة.
2- ورحل من مكة إلى مصر عائداً فداوم على دراسة الحديث الشريف على يد العلامة الحافظ عبدالرحيم العراقي، وتلقى الفقه من الشيخ ابن الملقن والعز ابن جماعة وعليه درس الأصول وباقي العلوم الآلية كالمنهاج وجمع الجوامع وشرخ المختصر والمطول. 3- ثم رحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة وما بين هذه النواحي. 4- وأقام في فلسطين وتنقل في مدنها يسمع من علمائها ويتعلم منهم، ففي غزة سمع من أحمد بن محمد الخليلي وفي بيت المقدس سمع من شمس الدين القلقشندي، وفي الرملة سمع من أحمد بن محمد الأيكي، وفي الخليل سمع من صالح بن خليل بن سالم ، وبالجملة فقد تلقى ابن حجر مختلف العلوم عن جماعة من العلماء كل واحد كان رأساً في فنه كالقراءات والحديث واللغة والفقه والأصول ، ويذكر عن شيخه العز بن جماعة أنه قال : أقرأ في خمسة عشر علماً لا يعرف علماء عصري أسماءها.

مكانته بين أهل عصره:
تفرد ابن حجر من بين أهل عصره في علم الحديث مطالعة وقراءة وتصنيفاً وإفتاءً حتى شهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد والعدو والصديق، حتى كان إطلاق لفظ الحافظ عليه كلمة إجماع بين العلماء، وقد رحل إليه الطلبة من الأقطار وطارت مؤلفاته في حياته وانتشرت في البلاد وتكاتب الملوك من قطر إلى قطر في شأنها وكانت له اليد الطولى في الشعر ، وله ديوان شعر متوسط الحجم مطبوع.

الوظائف التي شغلها :
شغل ابن حجر الكثير من الوظائف المهمة في الإدارة المملوكية المصرية ، مما هيأ له الوقوف على مجريات السياسة المصرية ودخائلها آنذاك ومكنه من الاتصال المباشر بالمصادر الأولى لأحداث عصره.
وتولى ابن حجر الإفتاء واشتغل في دار العدل وكان قاضى قضاة الشافعية وعني ابن حجر عناية فائقة بالتدريس واشتغل به ولم يكن يصرفه عنه شيء حتى أيام توليه القضاء والإفتاء وقد درّس في أشهر المدارس في العالم الإسلامي في عهده من مثل (المدرسة الشيخونية والمحمودية والحسنية والبيبرسية والفخرية والصلاحية والمؤيدية ومدرسة جمال الدين الآستادار في القاهرة ( وجمال الدين هذا من أهالي البيرة قرب رام الله في فلسطين).

مؤلفاته:
له مؤلفات وتصانيف كثيرة زادت على مئة وخمسين مصنفاً في مجموعة من العلوم المهمة وسنذكر بعض ما اشتهر منها وطارت سمعته في الآفاق:

ويعتبر هذا السفر العظيم أفضل شرح وأعمه نفعاً لصحيح البخاري الذي يعتبر ثاني كتاب بعد كتاب الله تعالى ، وتأتي أهمية كتاب ابن حجر من كونه شرحاً لأصح ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث وقد تضمن ذلك الشرح ذكر أحاديث أخرى وعلق ابن حجر على أسانيدها وناقشها حتى كان بحق ( ديوان السنة النبوية )، وكذلك لما تضمنه من فقه وأصول ولغة ومناقشة للمذاهب والآراء في شتى المعارف الإسلامية . وقد اشتهر هذا الكتاب في عهد صاحبه حتى قبل أن يتمه وبلغ شهرته أن الملك شاه رخ بن تيمور ملك الشرق بعث بكتاب إلى السلطان برسباي يطلب منه هدايا من جملتها ( فتح الباري ) فجهز له ابن حجر ثلاث مجلدات من أوائله.
1- فتح الباري شرح صحيح البخاري (خمسة عشر مجلداً ) ، ومكث ابن حجر في تأليفه عشرين سنة ( ولما أتم التأليف عمل مأدبة ودعا إليها أهل قلعة دمشق وكان يوماً عظيماً ) . 2- الإصابة في تمييز الصحابة، وهو كتاب تراجم ترجم فيه ابن حجر للصحابة الكرام فكان من أهم المصادر في معرفة الصحابة. 3- تهذيب التهذيب ومختصره كتاب تقريب التهذيب. 4- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ، ذكر فيه أحاديث لم يخرجها أصحاب المسانيد الثمانية. 5- نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية ويعتبر من كتب التخريج البديعة وقد خرج فيه الأحاديث الواردة في كتاب الهداية وهو مرجع فقهي وغير ذلك من المؤلفات الكثيرة. 6- “إنباء الغمر بأنباء العمر” وهو مؤلف ضخم يقع في حوالي ألف صفحة كبيرة حيث يتبع نظام الحوليات والشهور والأيام في تدوين الحوادث. ثم يتبع حوادث كل سنة بأعيان الوفيات. وقد أفاض في ذكر ما يتعلق بمصر من هذه الحوادث، وهو يتناول الأحداث التي وقعت بين سنة (773 – 850 هـ). 7- “الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة” وهو معجم ضمنه تراجم أعيان القرن الثامن الهجري من علماء وملوك وسلاطين وشعراء وغيرهم من مصر ومختلف بلاد الإسلام، ويعتبر هذا الكتاب من أهم مصادر تاريخ مصر الإسلامية في الفترة التي يتناولها، وتبدو نزعته كعالم حديث في ذكر مصادره التي اعتمد عليها في تأليفه. 8- “رفع الإصر عن قضاة مصر” وهو معجم لقضاة مصر منذ الفتح الإسلامي حتى آخر القرن الثامن الهجري.


وفاته:

توفي رحمه الله في أواخر ذي الحجة سنة 852هـ وكان له مشهد لم ير مثله فيمن حضره من الشيوخ ، وشهده أمير المؤمنين والسلطان وقدم الخليفة للصلاة عليه، وكان ممن حضر الجنازة الشاعر الشهاب المنصوري فلما وصلوا بالجنازة إلى المصلى أمطرت السماء على نعشه.

منقول