قال ابن الآبار في كتابه الحلة السيراء:
أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد الوقشي
الوزير أبو جعفر
الوزير أبو جعفر
أحد الكفاة الأمجاد والدهاة الأنجاد . وهو من بيت القاضي أبي الوليد هشام بن أحمد الوقشي – وهي قرية بنواحي طلبيرة مشددة القاف – وأراه ابن أخيه ؛ ونسبهم في كنانة .
قام بأمر أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن همشك ضابطا لأعماله ومصلحا لأحواله . ولما هزم ابن سعد وابن همشك معه بغرناطة صبيحة يوم الجمعة الثامن والعشرين لرجب سنة سبع وخمسين وخمسمائة – وهي وقيعة ” السبيكة ” إثر ” هزيمة ” ” مرهج الرقاد ” – عزم على استئصال ابن همشك ومنازلة بلاده فلاذ بالفرار وأسلم جيان لوزيره الأخص أبي جعفر هذا .
فنازلها الموحدون أعزهم الله وهو بضبطها مستبد وإلى مؤمره عليها مستند إلى أن صدروا عنها لعمارة قرطبة ودخلوها ضحوة يوم الأحد الثاني عشر من شوال من السنة وبها إذ ذاك – فيما حكى – نحو من ثمانين رجلا قد أكلتهم الفتنة وشردتهم المجاعة من طول إلحاح ابن همشك عليهم بالحروب وشن الغارات مع الشروق والغروب رجاء انتظامها مع جيان وسائر بلاده ؛ فنفس عن أبي جعفر وقد ناب أحسن مناب وحل من صاحبه آثر محل ولم يزل بعد ذلك يحسن الضبط لبلاده ويظهر الكفاية في كافة محاولاته إلى أن اعتلق ابن همشك بالدعوة المهدية خلدها الله ونابذ صهره محمد بن سعد وذلك في سنة اثنتين وستين – بعد الوقيعة العظمى بفحص الجلاب على مقربة من مرسية وكانت يوم الجمعة سابع ذي الحجة من سنة ستين – ووجه وزيره أبا جعفر هذا وافدا عنه إلى مراكش ومستصرخا على صهره ابن سعد وكان قد وطئ أعماله ودوخها وتغلب على كثير من معاقله وكانت تحته بنت ابن همشك فطلقها ثم ندم .
وهدم رحى الوقشي بولجة بلنسية فقال في ذلك :
ألا أبلغا عني الشريق وأهله … بأني لا أثني عنانا عن الغرب
لأجلبها خزر العيون ضوامرا … وأوطئها أجسادكم بدل الترب
هدمتم رحى من لا يزال بسعيه … وأفكاره يحني عليكم رحى الحرب
رحى شد ما يفني الرجال بطحنها … وليس لها قطب سوى الطعن والضرب
ألم أجلب الجيش العرمرم نحوكم … وصيرتكم في ما علمتم من الكرب
وإني ملي أن أكدر ما صفا … لكم بعد هذا البلاد من الشرب
فإن يك عن أوطانكم عمر نأى … فإن أمير المؤمنين على قرب
لأجلبها خزر العيون ضوامرا … وأوطئها أجسادكم بدل الترب
هدمتم رحى من لا يزال بسعيه … وأفكاره يحني عليكم رحى الحرب
رحى شد ما يفني الرجال بطحنها … وليس لها قطب سوى الطعن والضرب
ألم أجلب الجيش العرمرم نحوكم … وصيرتكم في ما علمتم من الكرب
وإني ملي أن أكدر ما صفا … لكم بعد هذا البلاد من الشرب
فإن يك عن أوطانكم عمر نأى … فإن أمير المؤمنين على قرب
وله في وفادته على مراكش سنة أربع وستين يهنئ بعيد الفطر من قصيدة طويلة :
تحن إليكم وافدات المواسم … فتهدى إلى كفيكم ثغر باسم
ومنهن عيد الفطر جاء مسلما … عليك فحيا منك أفضل طاعم
ومن قبله وافي الصيام بشهره … على خير أواب وأفضل صائم
ومنهن عيد الفطر جاء مسلما … عليك فحيا منك أفضل طاعم
ومن قبله وافي الصيام بشهره … على خير أواب وأفضل صائم
يقول فيها :
تقبلت أخلاق الكهولة ناشئا … فلم تدر يوما ما مناط التمائم
ولو لم تشأ وطء التراب بإخمص … لسرت على هام الملوك الخضارم
وله وقد أحضر لمعاينة قتل أسد هائل المنظر يصفه من كلمة :
جهم المحيا إن تبسم هبته … ومن العجائب هيبة المتبسم
ويقال كل الصيد في جوف الفرا … وأرى الفراء لديه بعض المطعم
وكأنما هو ناظر عن زئبق … وكأنما هو كاشر عن مخذم
وكأن لبدته بقية فروة … قصرت على طول الزمان الأقدم
لما تمرد في العرينة فتحت … أبوابها فانساب مثل الأرقم
وعلا زئير منه حتى خلته … كالفحل يهدر عند شول هيم
وظننت أن الرعد من حيث الحيا … حتى سمعت اليوم رعدا من فم
وتناولت زرق الأسنة زرقه … حتى بدا في شكله كالشيهم
ولو لم تشأ وطء التراب بإخمص … لسرت على هام الملوك الخضارم
وله وقد أحضر لمعاينة قتل أسد هائل المنظر يصفه من كلمة :
جهم المحيا إن تبسم هبته … ومن العجائب هيبة المتبسم
ويقال كل الصيد في جوف الفرا … وأرى الفراء لديه بعض المطعم
وكأنما هو ناظر عن زئبق … وكأنما هو كاشر عن مخذم
وكأن لبدته بقية فروة … قصرت على طول الزمان الأقدم
لما تمرد في العرينة فتحت … أبوابها فانساب مثل الأرقم
وعلا زئير منه حتى خلته … كالفحل يهدر عند شول هيم
وظننت أن الرعد من حيث الحيا … حتى سمعت اليوم رعدا من فم
وتناولت زرق الأسنة زرقه … حتى بدا في شكله كالشيهم
ولي في هذا المعنى من كلمة قلتها عند وفادتي على حضرة تونس – أيدها الله – رسولا عن والي بلنسية ودانية – أبي جميل بن سعد – وقد أحضرت لمثل ذلك في أواخر شعبان سنة ست وثلاثين وستمائة :
تحن إلى ملعب للظباء … بكثبان رامة أو غرب
فهلا إلى ملعب للأسود … سعدت بمنظره المعجب
يقام الجهاد به والجلاد … لكل فتى مدره محرب
ويضري على الفتك بالضاريات … فإن غالب القرن لم يغلب
ضوار ضوارب أظفارها … تعير الظبي رقة المضرب
فمن أسد شرس محنق … ومن نمر حرد مغضب
أثيرت حفائظها فانبرت … تسابق في شأوها الأرحب
تصم المسامع من زأرها … عوادي كالضمر الشزب
وتنبو العيون لإقدامها … مذربة الناب والمخلب
كواشر من مرهفات حداد … متى تصدع الهام لا تنشب
نيوب نبتن من النائبات … وأزرين بالصارم المقضب
تنوء ثقالا ولكنها … أخف وثوبا من الجندب
وقد حفر بمجالها الرحب لآخرين مهاو تسع جثثهم ولها أبواب صغار يطبقونها عليهم فإذا ربضت على بعد صيح بأحدهم ففتح باب تلك الهوة وهجهج بها وربما ألمع لها بما يكون في يده فما هو إلا أن تراه فيكاد وثوبها إليه يعجله عن إطباق الباب عليه ثم تنصرف عن يائسة منه وقد اشتد حنقها وعظم زئيرها فيعاين من ذلك آنق منظر وأبدع مرأى :
ومقتحم غمرات الردى … إذا ما ادعى الباس لم يكذب
يلاعبها حيث جد الحما … م فتفزع منه إلى مهرب
يكر عليها ولا جنة … سوى كرة سهلة المجذب
يدحرجها ماشيا ثنيها … على حذر مشية الأنكب
عجبت لها أحجمت رهبة … وأقدم بأسا ولم يرهب
وقته الأواقي على أنه … تسنمها صعبة المركب
وثاو بمطبقة فوقه … متى تطف هامته ترسب
يهجهج بالليث كيما يهيج … ويأوي إلى الكهف كالثعلب
كذلك حتى هوت نحوها … عقاب المنية من مرقب
وعاجت عليها قواسي القسي … فعبت من الحين في مشرب
وشالت هناك بأذنابها … لياذا من العقر كالعقرب
فيا لقساور قد صيرت … ” فرائس ” للأسهم الصيب
تحن إلى ملعب للظباء … بكثبان رامة أو غرب
فهلا إلى ملعب للأسود … سعدت بمنظره المعجب
يقام الجهاد به والجلاد … لكل فتى مدره محرب
ويضري على الفتك بالضاريات … فإن غالب القرن لم يغلب
ضوار ضوارب أظفارها … تعير الظبي رقة المضرب
فمن أسد شرس محنق … ومن نمر حرد مغضب
أثيرت حفائظها فانبرت … تسابق في شأوها الأرحب
تصم المسامع من زأرها … عوادي كالضمر الشزب
وتنبو العيون لإقدامها … مذربة الناب والمخلب
كواشر من مرهفات حداد … متى تصدع الهام لا تنشب
نيوب نبتن من النائبات … وأزرين بالصارم المقضب
تنوء ثقالا ولكنها … أخف وثوبا من الجندب
ومنها في وصف ملاعب لها من أهل الثقافة وكانت في ذلك اليوم المبارك أربعة آساد ونمرين يدحرج إليها كرة متصلبة من خشب محكمة الصنعة تحجبه من بأسها وهي رابضة وبيده حدائد طوال في نهاية الإرهاف معدة لها . فإذا أحست به وثبت على الكرة فألقم أفواهها تلك الحدائد ودحرج الكرة فتباعدت عنه تمج الدم وأحيانا يجهز بها عليها إذا لم يأمن عاديتها .
وقد حفر بمجالها الرحب لآخرين مهاو تسع جثثهم ولها أبواب صغار يطبقونها عليهم فإذا ربضت على بعد صيح بأحدهم ففتح باب تلك الهوة وهجهج بها وربما ألمع لها بما يكون في يده فما هو إلا أن تراه فيكاد وثوبها إليه يعجله عن إطباق الباب عليه ثم تنصرف عن يائسة منه وقد اشتد حنقها وعظم زئيرها فيعاين من ذلك آنق منظر وأبدع مرأى :
ومقتحم غمرات الردى … إذا ما ادعى الباس لم يكذب
يلاعبها حيث جد الحما … م فتفزع منه إلى مهرب
يكر عليها ولا جنة … سوى كرة سهلة المجذب
يدحرجها ماشيا ثنيها … على حذر مشية الأنكب
عجبت لها أحجمت رهبة … وأقدم بأسا ولم يرهب
وقته الأواقي على أنه … تسنمها صعبة المركب
وثاو بمطبقة فوقه … متى تطف هامته ترسب
يهجهج بالليث كيما يهيج … ويأوي إلى الكهف كالثعلب
كذلك حتى هوت نحوها … عقاب المنية من مرقب
وعاجت عليها قواسي القسي … فعبت من الحين في مشرب
وشالت هناك بأذنابها … لياذا من العقر كالعقرب
فيا لقساور قد صيرت … ” فرائس ” للأسهم الصيب
وللوقشي تحقق بالإحسان وتصرف في أفانين البيان وكتابي المؤلف في أدباء الشرق المترجم ب – ” إيماض البرق ” مشتمل على كثير من شعره .
ومدحه أبو عبد الله الرصافي بما ثبت في ديوانه وأعرب عن جلالة شانه . وبالجملة فهو وأبو جعفر بن عطية من مفاخر الأندلس وكانا متعاصرين وفي الكفاية متكافئين ولذلك في النثر مزية هذا ” في ” الشعر . وله يصف الزرافة من أبيات :
لبست من الصفر الأنيق ملاءة … مرقومة الجنبات بالعقيان
وكأنها قد قسمت في خلقها … فأتتك بين الخيل والبقران
وكأن قرنيها إذا شالتهما … قلمان قلم منهما الطرفان
طالت قوائمها وطال تليلها … حتى لقد أوفى على الجدران
وتفاوتت في سمكها فوراؤها … ثلث لها وأمامها ثلثان
وكأنها قد قسمت في خلقها … فأتتك بين الخيل والبقران
وكأن قرنيها إذا شالتهما … قلمان قلم منهما الطرفان
طالت قوائمها وطال تليلها … حتى لقد أوفى على الجدران
وتفاوتت في سمكها فوراؤها … ثلث لها وأمامها ثلثان
وله في حفظ السر :
ومستودع عندي حديثا يخاف من … إذاعته في السر أن ينفد العمر
فقلت له : لا تخش مني فضيحة … لسر غدا ميتا وصدري له قبر
على أن من في القبر يرجى نشوره … وسرك ما يرجى له أبدا نشر
فقلت له : لا تخش مني فضيحة … لسر غدا ميتا وصدري له قبر
على أن من في القبر يرجى نشوره … وسرك ما يرجى له أبدا نشر
وله مما استفدته من أبي – رحمه الله – وأنشدنيه :
ألا قرب الله الديار وأهلها … ومن حل في شق من الغرب نازح
أعانق صدري في الخلاء تشوقا … لكونهم ما بين طي الجوانح
وبينهما بيت ثالث ذهب من حفظي
أعانق صدري في الخلاء تشوقا … لكونهم ما بين طي الجوانح
وبينهما بيت ثالث ذهب من حفظي
وله في النسيب أيضا :
لعل في الظاعنين سارا … من كان لي بالعقيق جارا
إن صح هذا خذوا بذحلي … من بينهم حادي المهارى
إن صح هذا خذوا بذحلي … من بينهم حادي المهارى
يقول فيها :
ما بال عيني منذ بنتم … لم تطعما للكرى غرارا
وما لورد بوجنتيكم … أنبت في وجنتي بهارا
أيا نديمي أخبراني … فإن فيما أرى اعتبارا
أبصرتما قبلها قضيبا … قد أثمر الليل والنهارا
أو وجنة وهي جسم ماء … تعود إثر الحياء نارا
وما لورد بوجنتيكم … أنبت في وجنتي بهارا
أيا نديمي أخبراني … فإن فيما أرى اعتبارا
أبصرتما قبلها قضيبا … قد أثمر الليل والنهارا
أو وجنة وهي جسم ماء … تعود إثر الحياء نارا
وله في الشقائق :
وشقائق لاحت على الأغصان … مثل الخدود تزان بالخيلان
يهفو النسيم مع الأصائل والضحى … فيهز منها معطف النشوان
فكأنها قضب الزمرد ألصقت … بالمسك فيها أكؤس العقيان
يهفو النسيم مع الأصائل والضحى … فيهز منها معطف النشوان
فكأنها قضب الزمرد ألصقت … بالمسك فيها أكؤس العقيان
وله في غصن منور بيد حبشي طلع به وهو في مجلس أنسه مع ندمائه :
وزنجي ألم بغصن نور … وقد زفت لنا بنت الكروم
فقال فتى من الندماء : صفه … فقلت : الليل أقبل بالنجوم
فقال فتى من الندماء : صفه … فقلت : الليل أقبل بالنجوم
وقد أنشدنيهما صاحبنا أبو علي بن سليمان الأمين الشريشي بمنزلي من حضرة تونس قال : أنشدنيهما الأستاذ أبو علي بن عبد المجيد الرندي بمالقة لأبي عبد الله الرصافي وحكى لي عنه أنه كان بظاهر مالقة مع طائفة من أصحابه على أنس فصعد غلام أحدهم إلى شجرة لوز منورة فاقتطع غصنا منها وأتاهم به فسألوه وصفه فقال بديها :
وزنجي ألم بنور لوز … وفي كاساتنا بنت الكروم
وما بعده كما تقدم إلا أنه قال ” من الفتيان ” مكان قوله ” من الندماء ” .
وغلط أبو مروان بن صاحب الصلاة الإشبيلي فنسبها في تاريخه إلى بعض الأمراء وزعم أنه قالها في حبشي بيده شمعة ؛ ولا يليق هذا التشبيه بذلك
وتوفي أبو جعفر الوقشي بمالقة صادرا عن مراكش في سنة أربع وسبعين وخمسمائة 574 هـ .
وحدثني شيخنا أبو الربيع بن سالم أنه اجتاز ببقيع مالقة فاستحسن ما رأى من زخرفة القبور به واغتراس الأشجار ذات النواوير والأزهار أثناءها فتمنى أن يدفن هنالك فوفت الأقدار بأمنيته عند موافاة منيته وكانت وفاة أبي إسحاق بن همشك قبله بمكناسة في صفر سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة
عبدالرحمن الكناني
