الرحالة ابن جبير الكناني

محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن سعيد ابن جبير بن محمد بن مروان بن عبد السلام بن مروان بن عبد السلام بن جبير الكناني، الواصل إلى الأندلس.

 

أوليته

 

دخل جده عبد السلام بن جبير في طالعة بلج بن بشر بن عياض القشيري في محرم ثلاث وعشرين ومائة. وكان نزوره بكوؤة شدونة. وهو من ولد ضمرة ابن كنانة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. بلنسي الأصل، ثم غرناطي الاستيطان. شرقن وغرب، وعاد إلى غرناطة.

 

حاله

 

كان أديباً بارعاً، شاعراً مجيداً، سنياً فاضلاً، نزيه المهمة، سري النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة في الخط. كتب بسبتة عن أبي سعيد عثمان ابن عبد المؤمن، وبغرناطة عن غيره من ذوي قرابته، وله فيهم أمداح كثيرة. ثم نزع عن ذلك، وتوجه إلى المشرق، وجرت بينه وبين طايفة من أدباء عصره، مخاطبات ظهرت فيها براعته وإجادته. ونظمه فايق، ونثره بديع. وكلامه المرسل، سهل حسن، وأغراضه جليلة، ومحاسنه ضخمة، وذكره شهير، ورحلته نسيجة وحدها، طارت كل مطار، رحمه الله.

 

رحلته

قال من عنى بخبره، رحل ثلاثاً من الأندلس إلى المشرق، وحج في كل واحدة منها. فصل عن غرناطة أول ساعة من يوم الخميس لثمان خلون من شوال، ثمان وسبعين وخمسماية، صحبة أبي جعفر بن حسان، ثم عاد إلى وطنه غرناطة لثمان بقين من محرم واحد وثمانين، ولقى بها أعلاماً يأتي التعريف بهم في مشيخته، وصنف الرحلة المشهورة، وذكر مناقله فيها وما شاهده من عجايب البلدان، وغرايب المشاهد، وبدايع الصنايع، وهو كتاب مؤنس ممتع، مثير سواكن النفوس إلى الرفادة على تلك المعالم المكرمة والمشاهد العظيمة ولما شاع الخبر المبهج بفتح بيت المقدس على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي، قوي عزمه على عمل الرحلة الثانية، فتحرك إليها من غرناطة، يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الأول من سنة خمس وثمانين وخمسماية، ثم آب إلى غرناطة يوم الخميس لثلاث عشر خلت من شعبان سبع وثمانين. وسكن غرناطة، ثم مالقة، ثم سبتة، ثم فاس، منقطعاً إلى إسماع الحديث والتصوف، وتروية ما عنده. وفضله بديع، وورعه يتحقق، وأعماله الصالحة تزكو. ثم رحل الثالثة من سبتة، بعد موت زوجته عهاتكة أم المجد بنت الوزير أبي جعفر الوقشي، وكان كلفاً بها، فعظم وجده عليها، فوصل مكة، وجاور بها طويلاً، ثم بيت المقدس، ثم تجول بمصر والإسكندرية، فأقام يحدث، ويؤخذ عنه إلى أن لحقي بربه.

مشيخته

 

روى بالأندلس عن أبيه، وأبي الحسن بن محمد بن أبي العيش، وأبي عبد الله بن أحمد بن عروس، وابن الأصيلي. وأخذ العربية عن أبي الحجاج بن يسعون. وبسبتة عن أبي عبد الله بن عيسى التميمي السبتي. وأجاز له أبو الوليد ابن سبكة، وإبراهيم بن إسحاق بن عبد الله الغساني التونسي، وأبو حفص عمر بن عبد المجيد بن عمر القرشي الميانجي، نزيلاً مكة، وأبو جعفر أحمد بن علي القرطبي الفنكي، وأبو الحجاج يوسف بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد البغدادي، وصدر الدين أبو محمد عبد اللطيف الحجري رييس الشافعية بإصبهان. وببغداد العالم الحافظ المتبحر نادرة الفلك أبو الفرج، وكناه أبو الفضل ابن الجوزي. وحضر بعض مجالسه الوعظية وقال فيه فشاهدنا رجلاً ليس بعمرو ولا زيد، وفي جوف الفراكل الصيد. وبدمشق أبو الحسن أحمد بن حمزة بن علي بن عبد الله بن عباس السلمي الجواري، وأبو سعيد عبد الله بن محمد ابن أبي عصرون، وأبو الطاهر بركات الخشوعي، وسمع عليه، وعماد الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد الأصبهاني من أئمة الكتاب، وأخذ عنه بعض كلامه، وغيره، وأبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الأخضر بن علي بن عساكر، وسمع عليه، وأبو الوليد إسماعيل بن علي بن إبراهيم والحسين بن هبة الله بن محفوظ بن نصر الرقبعي، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن أبي سعيد الصوفي، وأجازوا له، وبحران الصوفي العارف أبو البركات حيان بن عبد العزيز، وابنه الحاذي حذوه.

 

من أخذ عنه

 

قال ابن عبد الملك، أخذ عنه أبو إسحاق بن مهيب، وابن الواعظ، وأبو تمام ابن إسماعيل، وأبو الحسن بن نصر بن فاتح بن عبد الله البجائي، وأبو الحسن بن علي الشادي، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زكريا، وأبو بكر يحيى بن محمد بن أبي الغصن، وأبو عبد الله بن حسن بن مجير. وأبو العباس بن عبد المؤمن البناني، وأبو محمد بن حسن اللواتي وابن تامتيت، وابن محمد الموروري، وأبو عمر بن سالم، وعثمان بن سفيان بن أشقر التميمي التونسي.
وممن أخذ عنه بالإسكندرية، رشيد الدين أبو محمد عبد الكريم بن عطاء الله، وبمصر رشيد الدين بن العطار. وفخر القضاة بن الجياب، وابنه جمال القضاة.

 

تصانيفه

 

منها نظمه، قال ابن عبد الملك: وقفت منه على مجلد متوسط يكون على قدر ديوان أبي تمام حبيب بن أوس، ومنه جزء سماه نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح في مراثي زوجه أم المجد. ومنه جزء سماه نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان. وله ترسيل بديع، وحكم مستجادة، وكتاب رحلته. وكان أبو الحسن الشادي، يقول إنها ليست من تصانيفه، وإنما قيد معاني ما تضمنته، فتولى ترتيبها، وتنضيد معانيها بعض الآخذين عنه، على ما تلقاه منه. والله أعلم.

شعره

من ذلك القصيدة الشهيرة التي نظمها، وقد شارف المدينة المكرمة طيبة، على ساكنها من الله أفضل الصلوات، وأزكى التسليم:

أقـول وآنـسـت بـــالـــلـــيل نـــارا
لعـل سـراج الــهـــدى قـــد أنـــارا
وإلا فـمــا بـــال أفـــق الـــدجـــى
كأن سـنـا الـبـرق فـيه اســتـــطـــارا
ونـحـن مـن الـلـيل فـــي حـــنـــدس
فمـا بـالـه قـد تـجـلـــى نـــهـــارا
وهـذا الـنـسـيم شـذا الـمــســـك قـــد
أعـير أم الـمـسـك مـنـه اسـتـــعـــارا
وكـانـت رواحـلـنـا تــشـــتـــكـــي
وجـاهـا فـقـد سـابـقـتـنـا ابــتـــدارا
وكـنـا شـكـونـا عـنـــاء الـــســـرى
فعـدنـا نـبـاري سـراع الــمـــهـــارا
أظـن الـنـفـوس قـد اسـتــشـــعـــرت
بلـوغ هـوى تـخــذتـــه شـــعـــارا
بشـاير صـبـــح الـــســـرى آدنـــت
بأن الـحـبـــيب تـــدانـــى مـــزارا
جرى ذكـر طــيبة مـــا بـــينـــنـــا
فلا قـلـب فـي الــركـــب إلا وطـــارا
حنـينـاً إلـى أحـمـد الـمـصـطـــفـــى
وشـوقـاً يهـيج الـضـلـوع اسـتــعـــارا
ولاح لــنـــا أحـــد مـــشـــرقـــاً بنـور
مـن الـشـهـداء اســـتـــعـــارا
فمـن أجـل ذلـــك ظـــل الـــدجـــى
يحـل عـقـود الـنـجـوم انــتـــثـــارا
ومـن طـرب الـركـب حـث الـخــطـــا
إلـيهـا ونـادى الــبـــدار الـــبـــدارا
ولـمـا حـلـلـنـا فـنــاء الـــرســـول
نزلـنـا بـأكـــرم مـــجـــد جـــوارا
وحـين دنـونـا لــفـــرض الـــســـلام
قصـرنـا الـخـطـا ولـزمـنـا الـوقـــارا
فمـا نـرسـل الـلـحـظ إلا اخـتـــلاســـاً
ولا نـرجـع الـطـرف إلا انـكـــســـارا
ولا نـظـهـر الـوجـد إلا اكـتــتـــامـــاً
ولا نـلـفـــظ الـــقـــول إلا ســـرارا
سوى أنـنـا لــم نـــطـــق أعـــينـــاً
بأدمـعـهـا غـلـبـتـنـا انــفـــجـــارا
وقـفـنـــا بـــروضة دار الـــســـلام
نعـيد الـسـلام عــلـــيهـــا مـــرارا
ولولا مهــــــابته في النفــــــوس
لثمنا الـــــثرى والتزمنا الجـــدارا
قضــــــينا بزورتـــه حجــــــــنا
وبـالـعـمـرتـين خـتـمـنـا اعـتـمـــاراً
إلــيك إلـــيك نـــبـــي الـــهـــدى
ركـبـت الـبـحـار وجـبـت الـقــفـــارا
وفـــارقـــت أهـــلـــي ولا مــــنة
ورب كـــلام يجـــر اعـــتـــــذارا
وكـيف نـمـن عـــلـــى مـــن بـــه
نؤمـل لـلــســـيئات اغـــتـــفـــاراً
دعـــائي إلـــيك هـــوى كـــامـــن
أثـار مـن الـشـوق مـــا قـــد أثـــارا
فنـاديتـك لـبــيك داعـــي الـــهـــوى
ومـا كـنـت عـنـك أطـيق اصـطـبـــاراً
ووطـنـت نـفـسـي بـحـكـم الــهـــوى
علـي وقـلــت رضـــيت اخـــتـــيارا
أخـوض الـدجـــى وأروض الـــســـرى
ولا أطــعـــم الـــنـــوم إلا غـــرارا
ولـو كـنـت لا أسـتـطـيع الـســـبـــيل
لطـرت ولـو لـم أصــادف مـــطـــارا
وأجـدر مـن نـال مـنـــك الـــرضـــى
محـب ثـراك عـلـى الــبـــعـــد زارا
عسـى لـحـظة مـنـك لــي فـــي غـــد
تمـهـد لـي فـي الـجـنـان الـــقـــرارا
فمـا ضـل مـن بـمـســراك اهـــتـــدى
ولا ذل مـن بـــذراك اســـتـــجـــارا

 

وفي غبطة من ممن الله عليه لحج بيته، وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم يقول:

 

هنيئاً لمن حدج بيت الهدى
وحط عن النفس أوزارها
وإن السعادة مضـمـونة
لمن حج طيبة أو زارها

 

وفي مثل ذلك يقول:

 

إذا بلغ المرء أرض الحجاز
فقد نال أفضل ما أمـلـه
وإن زار قبر نبي الـهـدى
فقد أكمل الله مـا أمـلـه

 

وفي تفضيل المشرق:

 

لا يسـتوي شـرق البلاد وغربها
الـشـرق حاز الـفـضل بـاستحقاق
أنظر إلى جمال الشمس عند طلوعها
زهرا…… تعجب بهجة الإشراق
وانظر….إليها عند الغروب كـثيبة
صفــراء……تـعـقب ظلمة الآفاق
وكـفـى بـيوم طـلـوعها مـن غربها
أن تـــؤذن….الدنيا بـعزم…فـراق

 

وقال في الوصايا:

 

عليك بكتمان المصايب واصطبر
عليها فما أبقى الزمان شفيقـا
كفاك بالشكوى إلى الناس أنهـا
تسر عدواً أو تسيء صـديقـا

 

وقال؛

 

وصانع المعروف فلتة عاقـل
إن لم تضعها في محل عاقل
كالنفس في شهواتها إن لم تكن
وقفاً لها عادت بضر عاجـل

نثره

 

من حكمه قوله: إن شرف الإنسان، فشرف وإحسان. وإن فاق فتفضل وإفاق. ينبغي أن يحفظ الإنسان لسانه. كما يحفظ الجفن إنسانه. فرب كلمة تقال، يحدث عثرة لا تقال. كم كست فلتات الألسنة الحداد، من ورائها ملابس حداد. نحن في زمن لا يحظى فيه بنفاق إلا من عامل بنفاق. شغل الناس عن طريق الآخرة بزخارف الأغراض. فلجوا في الصدود عنها والإعراض. وآثروا دنيا هي أضغاث أحلام، وكم هفت في حبها من أحلام، أطالوا فيها آمالهم، وقصروا أعمالهم. ما بالهم، لم يتفرغ لغيرها بالهم، ما لهم في غير ميدانها استباق، ولا بسوى هواها اشتياق. تلله لو كسشفت الأسرار، لما كان هذا الإصرار، ولسهرت العيون، وتفجرت من شئونها الجفون، فلو أن عين البصيرة من سنتها هابة، لرأت جميع ما في الدنيا ريحاً هابة ولكن استولى العمى على البصاير ولا يعلم الإنسان ما إليه صاير، أسأل الله هداية سبيله، ورحمة تورد نسيم الفردوس وسلسبيله، إنه الحنان المنان لا رب سواه.
ومنها: فلتات الهبات، أشبه شيء بفلتات الشهوات. منها نافع لا يعقب ندماً، ومنها ضار يبقى في النفس ألماً. فضرر الهبة وقوعها عند من لا يعتقد لحقها أداء، وربما أثرت عنده اعتداء. وضرر الشهوة أن لا توافق ابتداء، فتصير لمتبعها داء، مثلها كمثل السكر يلتذ صاحبه بحلاوة جناه، فإذا صحا يعرف قدر ما جناه. عكس هذه القضية هي الحالة المرضية.

 

مولده

 

ببلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسماية وقيل بشاطبة سنة أربعين وخمسماية.

 

وفاته

 

توفي بالإسكندرية ليلة الأربعاء التاسع والعشرين لشعبان أربع عشرة وستماية

المصدر
الإحاطة في أخبار غرناطة لسان الدين ابن الخطيب صــ222-225
منقول