كان الذي هاج إخراج قريشٍ بني ليثَ من تهامة أن أهل تهامة أصابتهم سنة فسارت بنو ليث حتى نزلوا بأسفل تهامة ومما يلي يلملم ويلي اليمن، وكان لهم جار من القارة يقال له عواف كان له شرف وكان حليفا لهاشم بن المغيرة والعاص بن وائل فخرج بلعاء بن قيس في أصحابه مغيرا على بعض العرب وخلف أخاه قتادة بن قيس فيمن بقي من قومه، فخرج قتادة يوما يدور في بيوت الحي وهم متجاورون فرأى إبلا رواتع لجارهم القاري عواف فهم بالغارة عليها لما أصابهم من السنة، فشاور عمير بن عامر بن الملوح ومعبد بن عامر بن الملوح فزجراه عن ذلك أشد الزجر وقالا: لا تغر على جارك فإن له قوما يغضبون له ويحوطونه: أبو عثمان هشام بن الغيرة والعاص بن وائل وأشباه لهما، فأسكت وأطرق إطراق الحية وافترقوا فقال عمير بن الملوح لأخيه معبد: ترى إطراقه ما أحراه أن يواثب الرجل، قال: إذا يركبنا من ذلك ما نكره، فلما أمسى دعا رجلا من قومه يقال له فلان بن صدوف الليثي ورجلا من بني زبيد كان لهم جارا فدعاهما إلى الغارة على إبل القاري فأجاباه إلى ذلك، فلم يشعر القاري بشيء حتى أتوه فطردوا أذواده وكانت ثلاثين وقتلوا ابنا له شابا كان قد أشرف لهم، فلما انتهوا بالإبل إلى دارهم أمر قتادة بعشر منها فنحرت وقسم لحومها يالحي وعمد إلى الباقي فقسمها في قومه ما بين بعير وبعيرين وأرسل منها إلى عمير ومعبد ابني عامر بن الملوح فأبيا أن يأخذ منها شيئا وخطآ رأيه وقالا: سيكون لما فعلت عاقبة سوء فقال: وما يكون؟ وخرج عواف حتى دخل على هشام والعاص فأخبرهما بما صنع به قتادة وبقتل ابنه، فبعث هشام والعاص إلى عمير ومعبد ابني عامر بن الملوح في الذي فعل قتادة بجارهما وسألاهما القود من قتادة بابن القاري وأن يرد عليه قيمة ما ذهب منه من إبله، فقالا: إن بلعاء غائب فلا تعجلا علينا حتى يقدم، فلم يلبث بلعاء أن قدم، فبعث إليه هشام والعاص يقولان له: ادفع إلينا قتادة حتى نقتله بابن القاري، فأبى بلعاء وامتنع. فاجتمعت قريش على قتالهم وحبشوا يومئذ الأحابيش والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة والقارة بنو الهون بن خزيمة وهم عضل والديش وهم القارة وبطونها كلها وبنو المصطلق من خزاعة، وذلك لأنهم كانوا حلفاء لبني الحارث بن مناة فدخلوا معهم، فلما التقوا بذات نكيف وهو من ناحية يلملم وقائد الناس يومئذ المطلب بن عبد مناف وهو في ألف من بني عبد مناف والأحابيش ومع بني عبد مناف حلفاؤها من قريش وقائد الأحابيش حطمط بن سعد أحد بني الحارث بن عبد مناة وأبو حارثة والحبيش بن عمرو وهما رؤساء بني الحارث بن عبد مناة وفي بني بكر بلعاء بن قيس وإخوته جثامة وحميصة وقتادة بنو قيس وهم أكثر من قريش عددا، فلما التقوا اقتتلوا قتالا شديدا، وكانوا لما التقوا وتصافوا قال بلعاء لقومه: ارموهم فإذا فنيت النبل سلوا السيوف مكرا بالقوم، فقالت القارة وكانت رماة: أنصف القارة من راماها، فذهبت مثلا؛ فاقتتل الناس يومئذ قتالا شديدا وجعل المطلب بن عبد مناف يحث قومه وجعل حطمط يحض أصحابه فحطموا جفون السيوف، فانهزمت بنو بكر فقتلوا وهم منهزمون قتلا ذريعا، ومطعم بن عدي يومئذ مصلت بالسيف في آثارهم يقول: لا تدعوا لهم زفرا واستأصلوا شوكتهم، وجعل حرب بن أمية يحض أصحابه ويقول: لا تبقوا عليهم، فقتلت قريش يومئذ بني بكر، قتلا ذريعا حتى دخلوا الحرم متعوذين به وأخرجت قريش بني بكر وبارز يومئذ عبيد بن السفاح بن الحويرث أخو القارة قتادة بن قيس أخا بلعاء فطعنه عبيد طعنة ارتث منها ولم يمت حتى تفرق القوم من حربهم فمات بعد ذلك فقالت امراة من بني بكر: الكامل
عضت بنو بكر بأير أبيهم … يوم اللقاء ذات نكيف
إذا فر كل معقص ذو لمة … من كل ضبع عاجز ونحيف
وقتل مع قتادة رجل من بني شجع يقال له: أسود ورجل من بني جندع يقال له هلال ثم اجتمعت قريش والأحابيش جميعا فأخرجوا بني ليث من تهامة، فسارت بنو ليث حتى نزلوا في بني جعفر وحالفوا طفيل بن مالك بن جعفر، فقال لهم: إني قد حالفتكم وإني أمنعكم ممن أرادكم وفيكم عرام، فتقدموا إليهم لا يبسطوا أيديهم، قالوا: حسبنا ذلك، فأقامت بنو ليث في بنى عامر ثلاث سنين فعدا رجل من بين أبي بكر بن كلاب على بعير لبلعاء فسرقه، وركب فيه طفيل فوجده فد نحر فغرم له مكانه بعيرين، ثم إن طفيلا خافهم وخاف أن يقع بينهم وبين قومه شر فأراد أن يعذر إليهم ويتبرأ من عقده لهم وجواره وذلك في الحرم فأراد أن ينسلخ أشهر الحرام، فأرسلت ليلى بنت طفيل إلى بلعاء تخبره الذي يريد أبوها أن يصنعه بهم، فذكر ذلك بلعاء لأصحابه فأجمعوا أمرهم أن ينظروا، فإذا بقي من الشهر ليلة سرحوا نساءهم وأثقالهم ونعمهم نحو تهامة وأن يقيم الرجال في الدار حتى إذا أمسوا وجنهم الليل أغاروا عليهم، ففعلوا ذلك حين انسلخ الشهر، ثم أغاروا من ليلتهم تلك على بني جعفر وبني هلال فقتلوا منهم واستاقوا نعما ثم انصرفوا راجعين إلى تهامة، فقال طفيل: لا يطلبنهم أحد، فلم يطلب؛ فقال في ذلك بلعاء بن قيس: الوافر
أيوعدني أبو ليلى طفيل … ويهدي لي مع القلص الكلاما
أتوعدني وأنت ببطن نجد … فلا نجدا أخاف ولا تهاما
وطئنا نجدكم حتى تركنا … حزون النجد نحسبها سخاما
حديث يوم المشلل
قال فلما نزلت بنو ليث المشلل مرجعهم من نجد وقد صنعوا ببني عامر ما صنعوا أراد هشام بن المغيرة والعاص بن وائل أن يسيرا إليهم في جمع من قريش ومن حبشوا من الأحابيش، ثم قال هشام والعاص لوجوه قريش: امشوا معنا إلى أبي أحيحة سعيد بن العاص، فمشى معهم رجال من بني عبد مناف فيهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والمطلب بن الأسد وأبو حذيفة بن المغيرة وأبو أمية بن المغيرة ونبيه ومنبه ابنا الحجاج فذكروا له نزول بني ليث المشلل وما أجمعوا عليه من المسير إليهم وسألوه أن يسير معهم في بني عبد شمس، فقال أبو أحيحة: قد عرفتهم أن بني ليث أخوالي وأنا أستحيي أن تحدث العرب أني سرت إليهم اقاتلهم ولست أسير معكم ولا أحد من بني عبد شمس، ثم قال سعيد لهاشم والعاص ومن معهما من قريش: إنكم تريدون أن تسيروا سيرا تتحدث به العرب غدا، تأتون قوما قد أخرجوا وطردوا من نجد ثم تريدون أن تخرجوهم من تهامة فأين يذهبون؟ قال هشام بن المغيرة: حيث شاؤا، إلا إنهم لا يجاوروننا وقد فعلوا ما فعلوا، قال سعيد: إن الحرب دول وسجال وأنا لا آمن أن يدالوا عليكم فتكون الفضيحة، فأيكم يتولى حمل اللواء عند السيوف إذا اختلفت بين الرجال فلا يزول به فاترا واهنا، فإنما هلاك القوم لواؤهم؛ فهاب القوم ما قال وأسكتوا، وقال العاص بن وائل. أنا أتولى حمله، قال سعيد: وتحلف عند إساف أن لا تفر؟ قال نعم، قالوا: فأخذه العاص فحمله ثم أتى إلى إساف فحلف عنده ألا يفر أو يموت، ثم سار إلى بني ليث في جمع من كنانة والأحابيش عضل والديش والقارة، فلما التقوا ونظر بعضهم إلى بعض ناداهم العاص بن وائل: اثبتوا فإنه لا سبيل لكم إلى الذهاب فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان في بني سعد بن ليث غلام يقال له خالد بن مالك وكان نديما لبلعاء بن قيس وكان خالد بن مالك قد فر يوم فخ يوم أغارت عليهم بنو عامر فحلف بلعاء ألا يكلمه حتى يدرك يوما يرى مشهده فيه مجزيا، فحمل خالد بن مالك على العاص بن وائل فطعنه فصرعه وأخذ اللواء من يده، فلما رأت قريش اللواء قد أخذ وصرع صاحبهم هربت قريش وجمع بني كنانة والأحابيش، وأصابت منهم بنو ليث ما شاءت ، وبلغ أبا أحيحة ما صنع العاص بن وائل فقال: يا للعار! لم يحام عليه قومه، وهربوا عن اللواء ولم يعودوا إلى حمله، قال سعيد: هذا الذي خفت عليكم وأعلمتكم أن الحرب دول وسجال، فأبيتهم أن تقبلوا كلامي، فما أقبح أن لو حضرت معكم ثم هربت أحاول دخول منزلي! وقال قدامة بن قيس الزبيدي حليف بلعاء وهو يذكر ما أصاب في بني عامر وما أصاب في قريش، وكان بدء محالفته بلعاء أن بلعاء قارم قدامة بالقداح فقمره ماله كله، فطلب قدامة إلى بلعاء أن يقامره في يده وخمسين من الإبل فلاعبه بلعاء فمقره يده فأراد بلعاء أن يقطعها، فقال له قدامة: هل لك يا بلعاء فيما هو خير لك من قطعها تعيرنيها على أن لا أفارفك ولاتنويك نائبة فيها تلف الأنفس إلا وقيتك بنفسي فأنت رجل تكثر محاربة الرجال؟ فرضي بلعاء بذلك فتركها عارية على أن يأخذ يده بلعاء متى شاء، فكان قدامة مع بلعاء لا يفارقه حيث ما كان، فلما كان يوم المشلل نظر بلعاء إلى قدامة واقفا إلى جنبه فقال: أما أن ترد علي يدي التي أعرتك وإما أن تحمل على القوم لتجيئني بفداء بها، فحمل قدامة فلم يرجع حتى قتل منهم وأسر أسيرا؛ فذلك حيث يقول قدامة لبلعاء: البسيط
عاف الظلامة لما سيم مظلمة … وكر بالخيل معقودا نواصيها
من بعد ما صلقت في جعفر صلقا … يخرجن في النقع محمرا هواديها
حتى نقمن الذي ضمن من عدو … يحطمن قاصية من بعد دانيها
وهذا يوم بدر
قال ثم انصرفوا راجعين حتى نزلوا ماء بدر فاقتسموا ما أصابوا، فأما بنو ليث فانصرفت ولم تقم على الماء وأما بنو الديل فأقامت، فخرج حي من حكم في طلبه فلحقوا ببني الديل على ماء بدر فارتجعوا ما كان في أيديهم وقتلوا منهم ثلاثة رهط، فلما كان يوم المشلل سارت حكم على حاميتها، فأخبر بهم بلعاء بن قيس فأرسل إليهم أخاه جثامة في فوارس من بني ليث في طلبهم فلحقوهم فاقتتلوا ساعة، ثم إن حكما طلبت إلى جثامة أن يجيرهم حتى يأتي بهم بلعاء ففعل ذلك بهم، فلما أتى بهم بلعاء قام به أبو لقيط بن صخر فطلب إليه أن يهبهم له فيقتلهم بما كانوا قتلوا من بني الديل فوهبهم له، ثم قدم عمرو بن عبد العزى بن البياع الليثي فنزل على ابن أخته أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية، فبينا عمرو بن عبد العزى قاعد مع سعيد بن العاص على باب داره إذ مر به العاص بن وائل فعبد العزي وحبيبا ابني عبد شمس وكأن بين عبد العزى بن البياع وبين العاص بن وائل وعبد العزى وحبيب ابني عبد شمس إخاء، فكان عبد العزى بن البياع قد أمر ابنه عمرا أن يلقى العاص بن وائل فعبد العزى وحبيبا ابني عبد شمس لإخاء كان بينه وبينهم، فلما أبصروا عمرو بن عبد العزى قاعدا مع سعيد بن العاص رأوا غلاما صبيحا شابا، قالوا: يا أبا أحيحة! من هذا الغلام عندك لا نعرفه؟ قال: هذا غلام يزعم أنه أعز أهل تهامة، هذا عمرو بن عبد العزى بن البياع واسم البياع عبد شمس فقالوا: وأبيك انه لخالك! فقال الغلام عمرو عند ذلك: لقد علم أهل تهامة أنني أعزهم قبل أن يولد سعيد، قد عرف لنا أهل تهامة ذلك وانقادوا لنا، فغضبوا من ذلك حتى عرف الغضب في وجوههم وخاف أبو أحيحة الشر فقال للعاص بن وائل ولعبد العزى بن عبد شمس: قد كان أبو عمرو لكم صديقا، قالا: نعم، قد كان ذلك والقلوب تتغير وسينقض ذلك الخشين، أبلغ أباك إذا قمت إليه: إنا قد برئنا إليه من إخاء كان بيننا وبينه، فقال الغلام: ومن أنتم وعمن أبلغه؟ فانتسبوا له وتسموا، فقال: أفعل، فلما أمسى خاف أبو أحيحة أن يقتل فحمله على بعير ثم ركب معه حتى بلغه مأمنه، فلما انتهى عمرو إلى أبيه سأله عن سعيد: كيف وجدت لطفه؟ وسأله عن العاص بن وائل وعن عبد العزى وحبيب ابني عبد شمس، فأخبره الخبر كله وما كان منه ومنهم وأنه لم ير في القوم مثل سعيد حلما وشرفا. وذلك جميعه في الشهر الحرام، فلما أمسى عمرو بن عبد العزى جمع فوارس من بني ليث فأخبرهم بالذي قيل له وطلب إليهم أن يتبعوه فيغير بهم في جوف مكة، فأبوا عليه وقالوا: ويحك في الشهر الحرام وفي الحرم! وعظموا عليه، فقال: والله لئن لم تتبعوني لأقتلن نفسي، فلما رأوا ذلك أقبلوا معه حتى انتهى إلى مكة ليلا فسأل عن العاص بن وائل وعن عبد العزى وحبيب ابني عبد شمس فقيل له: إنهم في رهط من قريش يتحدثون بأجياد، فانطلقوا نحوهم فلم يشعر القوم بشيء حتى أغاروا عليهم، فقتلوا رجلين من بني عبد شمس: الربيع وعمرا، وأفلت العاص بن وائل وصاحباه عبد العزى وحبيب ابني عبد شمس في سائر القوم حتى دخلوا منازلهم، واشتد ذلك على قريش وغضبت بنو عبد شمس على أبي أحيحة وقالوا: قد عرفت أن الغلام كان على أن يغير علينا فلم تحذرنا فنأخذ له أهبة القتال حتى أتونا متفضلين في ملئنا، في نادينا، فقال: ما شعرت بهذا ولقد خالفني ما فعلوا – أي ساءني فأقاموا ما أقاموا، ثم إن عمرو بن العاص غضب لأبيه غضبا شديدا وهو غلام شاب، فركب في فوارس من قريش فطلب بني سعد بن ليث ليصيب منهم ثأره، فلقي رجلين من بني سعد بن ليث فحياهما ثم قال: ممن أنتما؟ وهو يريد أن يستدل بهما على بني سعد، فقالا: سعديان، فقال: لا أطلب أثرا بعد عين، فقدمهما فضرب أعناقهما، ثم انصرف إلى مكة راجعا وكان اسم الرجلين سعدا وعمرا.
حديث يوم فخ
ثم إن بني ليث ركبوا في طلب العاص في جمع، فلما بلغ قريشا مسيرهم خرجوا إليهم حتى لقوهم بفخ، فكان بينهم قتال من غير أن يقتل أحد من الفريقين بل كانت جراحات بينهما، ثم ركب سعيد بن العاص وعفان ابن أبي العاص في رهط من مشيخة قريش، فلم يزالوا بالفريقين حتى رضوا وحكموا سعيد بن العاص ورضوا بما حكم به بينهم، فحكم أن يعد القتلى فجعلهم قصاصا بعضهم من بعض وحمل هو من ماله خاصة ما كان من جراحات، فرضي القوم بما حكم به سعيد، وكانت القتلى رجلين من قريش من بني عبد شمس أحدهما الربيع والاخر عمرو، وكانت القتلى من بني ليث رجلين وكتان أرش الجراحات من الفريقين جميعا ألفا وثلاثمائة ناقة فأدها سعيد بن العاص من ماله.
ثم كانت وقعة محارب بن فهر وبني ضمرة
قال: كان سبب الوقعة بين بني ضمرة بن بكر وبين محارب بن فهر، وبدأ ذلك أن رجلا من بني ضمرة يقال له مسعود أقبل بإبل له يريد أن يسقيها فأتى بها حوضا لأبي عثمان المحاربي وقد مدر أبو عثمان حوضه فهو ينتظر إبله أن ترد، وأقبل الضمري بإبله فشرع إبله في الحوض فسقاها، فلما رأى ذلك أبو عثمان من فعل الضمري أمر به أن يؤخذ، فهرب وأعجزهم هربا حين رأى الشر وكان لا يدرك، وأمر الفهري بالإبل فحسبت على الماء حتى انتصف النهار وحلبت ذات اللبن منها وجعلت الإبل تنازع إلى الصدر وتحان فقال أبو عثمان الفهري: من كانت له حاجة في النهبة فلينتهب إبل الضمري، فقد عرضها للنهب فانتهبت، وكان الضمري ينتظر إبله قريبا حيث يظن أن الإبل تمر عليه إذا صدرت، فلما أبطأت أشرف فإذا الإبل قد انتهبت فسعى نحو إبله، وقومه يستصرخهم على أبي عثمان الفهري وهم قريب، فوجد الحي خلوفا، لم يجد في الحي أحدا غير عمرو بن خالد، فأقبلا جميعا حتى انتهيا إلى أبيات بني محارب بن فهر فأصابا مع غلام منهم نابا من إبلهم، فلما رآهما أبو عثمان أقبل يسعى نحوهما فلما كان قريبا منهما عرض له حجر فنكت إبهامه وهو يسعى ففلق ظفره، فتناول ذلك الحجر فرمى به عمرو بن خالد فأصاب جبهته فشجه، فانصرف عمرو مشجوجا لم يظفر بشيء مما سار إليه، فقال أبو عثمان الفهري في ذلك: الوافر
منعنا الشرب ضمرة يوم جاءت … لتجعل شربها في حوض فهر
فلما رجع عمرو بن خالد إلى قومه وقد شج وانتهبت الإبل جمع قومه وأغار على بني محارب، فأصاب من نعمهم مثل ما أصيب من نعمه، وقتل ثلاثة نفر: الحكم ومرة بن الحكم وهما ابنا أخي أبي عثمان وجار لهم من أهل اليمن يقال له ربيعة، وأصاب منهم سلاحا وخيلا، فشق على أبي عثمان ذلك وعلى أصحابه فجمع لهم أبو عثمان جمعا كثيفا ثم أغار على بني ضمرة، فقتل أربعة وجرح عشرين وأصاب نعما وخيلا وسلاحا، ثم رجع إلى قومه، فقالت له امرأته وهي كنانية: ورب المشعرين! لا تدعك كنانة حتى تغير عليك، فقال: لا يفعلون، فأغار عمرو بن خالد على بني محارب بن فهر فوجد أبا عثمان قد تحرز منه فأصاب قتيلا واحدا ولم يصب مالا ثم رجع؛ وكانت آخر حرب كانت بين قريش وبين كنانة في ابن لحفص بن الأخيف وهو بعد هذا.