(الإكليل) الجامع لأخبار شامة و طفيل

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإكليل الجامع لأخبار شامة وطفيل

 

بقدرة القادر سبحانه يخلق الخلق لحكم عده تكاد تكون واضحة إما بنص صريح او تلميح
تدبرها من تدبرها وأعرض عنها من ختم الله على قلبه كما قال تعالى ( وإن يروا كل آية لايؤمنوا بها )
فموضوعنا هو ذكر لمعالم من ديارنا العامرة بأهلها أهل الكرم والشجاعه
لكن قبل البدء بالموضوع أود العروج على ماتجلى من الحكم البالغة من خلق هذه الجبال.
فقال سبحانه (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون)
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآيه ( وجعلنا في الأرض رواسي ) أي جبالا أرسى الأرض بها وقررها وثقلها لئلا تميد بالناس، أي تضطرب وتتحرك، فلا يحصل لهم عليها قرارلأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع –انتهى, وهو كقوله تعالى (والجبال أرساها) .
ومن الحكم ايضا ان يرى الإنسان عظيم خلق الله ويتفكر في دقة صنعه وعظيم مقدرته فتخضع القلوب للعظيم سبحانه.
وقد بين الله فساد قلوب كفار قريش حيث غفلت عقولهم عن عظيم قدرة المولى جل وعلا وسألوا المصطفى صلى الله عليه وسلم عن مصير جبال مكه العظيمه كجبل ابي قبيس ونحوه يوم القيامه فكان الجواب من ذي الملكوت والجبروت فقال (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لاترى فيها عوجا ولا أمتا) قال الشوكاني في فتح القدير مفسرا لهذه الآيه : قال ابن الأعرابي وغيره : يقلعها قلعا من أصولها ، ثم يصيرها رملا يسيل سيلا ، ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا ، ثم كالهباء المنثور-انتهى.
ومما يدعو المسلم الى الخضوع والخشوع للعظيم هو ان هذه الجبال الصلبة القاسية تصبح بأمر المولى صوفا منفوشا وترابا تذراه الرياح فكيف بقدرة وسطوة المولى على ابن آدم هذا المخلوق الضعيف الذي قال الله عنه (وخلق الإنسان ضعيفا) وقال (إنا خلقناكم من طين لازب) ولو يعلم هذا الضعيف ان أكثر بدنه مركب من السوائل فـ 70% من جسم الأنسان هو عبارة عن أخلاط وسوائل.
ولكنه يحمل قلبا أقسى من الحجر (ثم قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوه) ولربما كان الحجر ألين من قلوب بعض البشر فقال تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله)
فسبحان ربي ما أعظمه وأجل قدره ولعل فيما ذكرت ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
فأكتفي بماذكرت وأشرع في الموضوع والمقصود منه فأقول بسم الله :
شامة وطفيل إسمان لايكادان يفترقان في جل كتب الأولين فلا يشار الى شامة إلا كان لزاما ذكر شيء عن طفيل وهذا لعدة أسباب ولعل أهمها تقارب موقعهما الجغرافي ,
وايضا إقترانهما في الشعر الذي نقلته السير على لسان بلال رضي الله عنه.
وللفائده فإن هذه الأبيات ليست من شعر بلال رضي الله عنه فقد كان يقول محفوظه من شعر العرب وهذا ما أشار اليه ابن حجر في فتح الباري حيث قال (وفي البيت الذي أوله ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد كذا هو بالتنكير والإبهام والمراد به وادي مكة وذكر الجوهري في الصحاح ما يقتضي أن الشعر المذكور ليس لبلال فإنه قال كان بلال يتمثل به وأورده بلفظ هل أبيتن ليلة بمكة )-انتهى.
والشامة عند العرب هي اللون المخالف لما يجاوره بشرط أن يكون قليلا في كثير وهو بهذا المعنى معروف ومستعمل في عرف اهل هذا الزمان وهو الصبغة الداكنة اللون تكون على البدن.
والمشاهد لشامة يعلم أن الغالب على تسميته بهذا الأسم هو لونه الداكن الذي غدا كالشامة على وجه الأرض.
وإلى قريب من هذا هو معنى كلمة طفيل فمن معانيه هو طرف السوط يتأجج أي يضيء
وهو ايضا إختلاط الليل بباقي ضوء النهار.
وايضا لعل في سبب تسميته إشارة الى هذا المعنى فهو جبيل أو حرة شديدة السواد كما وصفها كثير من السلف.
وسأفصل القول على عدة عناصر :

– العنصر الأول وصف الجبلين وموقعهما في كتب الأولين:

 

فقد ذكر ياقوت الحموي شامة وطفيل في كتابه معجم البلدان فقال (شامة جبل قرب مكة يجاوره آخر يقال له طفيل وفيهما يقول بلال بن حمامة وقد هاجر مع النبي صلى الله عليه و سلم فاحتوى المدينة ألا ليت شعري هل أبين ليلة بفخ وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل فقال النبي صلى الله عليه و سلم حننت يا ابن السوداء ثم قال اللهم إن خليلك إبراهيم دعا لمكة وأنا عبدك ورسولك أدعو للمدينة اللهم صححها وحببها إلينا مثل ما حببت إلينا مكة اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم وانقل حماها إلى خيبر أو إلى الجحفة)
وقال في موطن آخر (طفيل بفتح أوله وكسر ثانيه وآخره لام من الطفل بالتحريك وهو بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب كأن هذا الجبل كان يحجب الشمس فصار بمنزلة مغيبها فعيل بمعنى فاعل مثل سليم بمعنى سالم وعليم بمعنى عالم وشامة وطفيل جبلان على نحو من عشرة فراسخ من مكة وقال الخطابي كنت أحسبهما جبلين حتى تبينت أنهما عينان قلت أنا فإن كانتا عينين فتأويله أن يكون فعيلا بمعنى مفعول مثل قتيل بمعنى مقتول فيكون هناك يحجب عنهما الشمس فكأنهما مطفولان والمشهور أنهما جبلان مشرفان على مجنة على بريد من مكة-انتهى.) والمشاهد للعيان أنهما جبلان صغيران كما سيأتي ولايعارض قوله عينان فيمكن ان يكون قد وجدت العينان سابقا واندثرت وهذا مايؤيده قول الأصمعي فقال في كتاب الجزيرة ( ورخمة ماء لبني الدئل خاصة وهو بجبيل يقال له طفيل وشامة جبيل بجنبه) ولكن الواقع الآن هو خلاف ذلك فلم يعد فيها اثر لأي عين إلا مواطن تختزن الماء بعد هطوله ويسميه اهل الديار (الفيضه) وهو مانص ماذكره الزمخشري فقال عن طفيل (جبل بتهامة بينه و بين مكة ليلة، جبل كأنه حرة ليس بشاهق و فيه مواضع تلزم الماء في وقت الربيع و منه تقطع المطحن لأهل مكة) وهذا ايضا مايذكره كبار السن ايضا فقاد كانت لمثل هذه الفيض وجود بعد هطول الأمطار الى وقت قريب.
وقال الحموي ايضا في موطن آخر (خبت من رمل في وسطه جبيل صغير أسود شديد السواد يقال له طفيل) وهذا أدق وصف ممكن لهذا الجبل

 

وقد ذكره الهمداني في كتابه ما اتفق لفظه وافترق مسماه من الامكنة فقال (طفيلٍ بفتح الطاء وكسر الفاء : جبل قرب مكة له ذكر في شعر بلال، وقد مر ذكره-انتهى.)
وقال الزبيدي في تاج العروس عن طفيل ايضا (وأسفل منها ودان على ميلين مما يلي مغيب الشمس ، يقطعها المصعدون من حجاج المدينة وينصبون منها منصرفين إلى مكة ، ويتصل بها مما يلي مغيب الشمس خبت رملٍ ، في وسط هذا الخبت جبلٌ أسود ، شديد السواد ، صغيرٌ يقال له ، طفيلٌ -انتهى.)
وايضا قال البكري في كتابه معجم ماستعجم (طفيل بفتح أوله وكسر ثانيه بعده الياء أخت الواو جبل قد حددته في رسم هرشى وقد تقدم ذكره في رسم الجحفة وما ورد فيه والشاهد عليه وهو وشامة جبلان مشرفان على مجنة وهي على بريد من مكة)
وقال صاحب الروض المعطار في أخبار الأقطار (طفيل هو جبل قريب من الجحفة، وهو وشامة جبلان مشرفان على مجنة، وهي على بريد من مكة، وأظنه الذي غنى به بلال رضي الله عنه)
وقال ابن سعيد الأندلسي في تاريخ النسائة من بني كنانة ( وهم البطون الذين كانوا في ضواحي مكة قال البيهقي : ومن منازلهم في طريق مكة شامة وطفيل وهما جبلان ذكرهما بلال في قوله وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل-انتهى).


– العنصر الثاني الموقع الجغرافي والواقع الحالي للجبلين :

قال البلادي رحمه الله في المعالم الجغرافيه للسيره النبويه (شامة وهو جبلٌ بالساحل جنوب غربي مكة ، مر بقربه طريق اليمن المزفت ، تجاوره حرةٌ تسمى « طفيلٌ » وتقرن دائما معه ، فيقال : شامة وطفيلٌ . وهما من ديار الجحادلة من كنانة)
وقال ايضا في كتابه معالم الحجاز (شامة: جبل جنوب شرقي جدة مشرف على الساحل، و تجاوره حرة اسمها طفيل تقرن دائما معه، فيقال شامة و طفيل، ليس بينهما و بين البحر إلا السهل الساحلي)
ومن المعلوم ان هذه الجبال تقع في نهاية سلاسل جبال مكه جنوبا فكل مااتجهت نحو الجنوب تحولت التضاريس الجبلية الى سهول وكثبان رمليه ثابته ومتحركه وتزداد قحولتها كلما اتجهت نحو البحر كعادة غالب سواحل الجزيره وهذه الأوصاف هي الغالب على تضاريس تلك المناطق وأما الحساب المتري لمسافتيهما فإن طفيل تبعد قرابة التسعين كيلومتر من مكه وايضا قرابة تلك المسافه تسعين كيلومتر من الليث فهي بالتحديد في المنتصف بين مكه والليث وأما جبل شامة فيقع على بعد كيلو ونصف الى كيلوين الى الشمال الغربي من طفيل ويمر بينهما مسيل قادم من عدة فروع منها وادي ادام وهذه المنطقه عرفت قديما بإسم مجنه وسأتحدث عنها في العنصر القادم.
ومن خلال المشاهذة يتضح لك الفرق بين شامة وطفيل حيث ان جبل شامة عباره عن كثبان رمليه تعلوها صخور بركانية سوداء, فهو عبارة عن تكتل صخري فوق الكثبان الرمليه
بخلاف طفيل الذي كلما اقتربت منه وجدته شديد السواد من منشأه وهو ماجعل تسميته بالحره أقرب الى الواقع
– العنصر الثالث مجنة وماقيل عنها :

كما أسلفنا فالمتتبع لما ذكر عنها فهي المنطقه الواقعه بين جبلي شامه وطفيل مع وجود اقوال اخرى تدل على وجودها في مكان آخر لكن ماترجح لي هو وقوعها في هذا المكان وذلك لعدة نصوص أولها
قول الأصمعي ( مجنة جبل بني الدئل خاصة بتهامة بجنب طفيل وإياه أراد بلال فيما كان يتمثل ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل )
وهذا نص صريح من الأصمعي على مكانها وقال ابي الوليد الأزرقي ( وشامة وطفيل: جبلان مشرفان على مجنة)
وذكر الزمخشري ايضا مانصه (مجنة: ماء لبني الدئل بتهامة).
وللعارف بتلك الديار يتبادر الى ذهنه تلك الأرض الجدباء الواقعه بين شامه وطفيل في مكان مسيل الوادي وما أشتهر من كونها هي السوق التي كان يحج اليها المشركون كما ذكر ذلك الأزرقي فقال (فإذا كان الحج في الشهر الذي يسمونه ذا الحجة، خرج الناس إلى مواسمهم فيصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة, فيقيمون به عشرين ليلة تقوم فيها أسواقهم بعكاظ والناس على مداعيهم وراياتهم منحازين في المنازل, تضبط كل قبيلة أشرفها وقادتها ويدخل بعضهم في بعض للبيع والشراء ويجتمعون في بطن السوق، فإذا مضت العشرون انصرفوا إلى مجنة فأقاموا بها عشرا، أسواقهم قائمة، فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز)


وقال البلادي عن مجنه (كانت مجنة إحدى أسواق العرب في الجاهلية كانت تقوم العشرة الأواخر من شهر ذي القعدة ، وكانت العشرون قبلها لعكاظ ، ثم ثمانيةٌ من ذي الحجة لذي المجاز).
وبعد دخول الإسلام وانتشاره في تلك البقاع لم تزل مجنه ذلك السوق الذي يرتاده الناس ولكن ليس تعبدا كما كان يفعل الكفار ولكن سوقا يلبي حاجاتهم وقد اندثر هذا السوق في منتصف القرن الثاني من الهجره حيث ذكر الكلبي وقت وسبب إندثاره فقال (وكانت هذه الأسواق بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز قائمة في الإسلام، حتى كان حديثا من الدهر: فأما عكاظ فإنما تركت عام خرجت الحرورية بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي الإباضي في سنة تسع وعشرين ومائة، خاف الناس أن ينهبوا وخافوا الفتنة فتركت حتى الآن, ثم تركت مجنة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة).
ولعل في ماذكرت الكفايه ووصول الغايه والإشاره الى بلد اهل الإغاره المعروفين بالكرم والإثاره.
فلهذه الأرض حق علينا في ذكر تاريخها ووصل الماضي الذي لانريده ان يغيب من عقول ابناء قبيلتنا فهم رجال المستقبل وحملة الدين.
هذا وبالله التوفيق وعليه الإستعانه ومنه التسديد.


أخوكم : ثامر بن علي بن دخيل الدعبلي
أحد أبناء الحسنان من الجحادلة من كنانة