السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
يوم شرب ( يوم عكاظ الثاني ) كان أعظم يوم عرفه العرب و هو أعظم من يوم شعب جبلة و أعظم من يوم تحلاق اللمم و أعظم أيام حروب الفجار كلها
و كان يوم شرب بين:
خزيمة : و شارك منها بنو قريش بن كنانة بن خزيمة و بنو الديل و الليث و ضمرة أبناء بكر بن عبد مناة بن كنانة و الأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة و من والاهم و بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة و معهم قبائل من بني أسد بن خزيمة
و بين
قيس عيلان : و شارك منها بنو نصر و جشم أبناء معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور و بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن و بنو سعد بن بكر بن هوازن و بنو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن و معهم قبائل بني سليم بن منصور و بني غطفان بن سعد بن قيس عيلان و بني فهم و عدوان ابني عمرو بن قيس عيلان
ووقع يوم شرب بعد مولد النبي صلى الله عليه و سلم بعشرين سنة و الفجار هي أول حرب طويلة شارك فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان مع أعمامه من قريش بن كنانة
* قصة يوم شرب :
– ذكر الفاكهي يوم شرب قائلا: (( حدثني الأزدي قال ، حدثني محمد ، عن أبي عبيدة قال : ثم جمع الفريقان على قرن الحول في اليوم الثاني من عكاظ ، فالتقوا فيه بشرب من عكاظ ، و عليهم رؤساؤهم الذين كانوا قبل ، و لم يكن يوم أعظم منه ، فحمل يومئذ إبن جدعان ألفا على ألف بعير ، فالتقوا ، و قد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان ; يوم شيظمة ويوم العبلاء ، فخشوا مثلها وحافظوا يومئذ ، وقيدت فيه بنو أمية أنفسهم ، وحافظت مخزوم فصبرت ، و بنو عبد مناة بن كنانة لتعفى على صنيعها ، و صنيع بلعاء يوم شيظمة ، و صابرت نصر وثقيف ; وذلك ان عكاظا بلد لهم به نخل وأموال فلم يغنوا شيئا ، فقاتلوا حتى أمسوا و انهزموا . وذكر شعرا لابن الزبعرى يمدح به نفرا من قريش . ثم قال ، و حدثني الزبير بن أبي بكر ، قال حدثني محمد بن الضحاك ، عن أبيه قال : العنابس : حرب ، و أبو حرب ، و سفيان بنو أمية ، و إنما سموا بالعنابس لأنهم عقلوا أنفسهم يوم عكاظ ، و قاتلوا قتالا شديدا ، فشبهوا بالأسد ، و الأسد يقال له : العنبس . ثم قال: وحدثنا الزبير بن أبي بكر قال ، حدثني مصعب بن عثمان ، و محمد بن الضحاك الحزامي : ان خويلد بن أسد كان يوم عكاظ على بني أسد بن عبد العزى )) .
– و يقول ابن عبد ربه الأندلسي عن يوم شرب : (( ثم جمع هؤلاء وأولئك، فالتقوا على قرن الحول في الثالث من أيام عكاظ فالتقوا بشرب، و لم يكن بينهم يوم أعظم منه . والرؤساء على هؤلاء وأولئك الذين ذكرنا، وكذلك على المجنبتين. وحمل ابن جدعان يومئذ مائة رجل على مائة بعير، ممن لم تكن له حمولة، فالتقوا. وقد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان: يوم شمطة ويوم العبلاء. فحميت قريش و كنانة . وصابرت بنو مخزوم و بنو بكر، فانهزمت هوازن وقتلت قتلا ذريعا. وقال عبد الله بن الزبعرى يمدح بنى المغيرة :
ألا لله قوم و … لدت أخت بني سهم
هشام وأبو عبد … مناف مدره الخصم
وذو الرمحين أشبال … من القوة والحزم
فهذان يذودان … وذا من كثب يرمي
و أبو عبد مناف : قصي ؛ وهشام : ابن المغيرة ؛ و ذو الرمحين: أبو ربيعة بن المغيرة ، قاتل يوم شرب برمحين؟ وأمهم ريطة بنت سعيد بن لسهم . فقال في ذلك جذل الطعان :
جاءت هوازن أرسالا وإخوتها … بنو سليم فهابوا الموت وانصرفوا
فاستقبلوا بضراب فض جمعهم … مثل الحريق فما عاجوا و لا عطفوا )) .
– و أجزل ابن الأثير في وصف ما حدث في يوم شرب قائلا : (( إن قيسًا جمعت جموعها ومعها ثقيف و غيرها وجمعت قريش جموعها منهم كنانة جميعها والأحابيش وأسد بن خزيمة وفرقت قريش السلاح في الناس فأعطى عبد الله بن جدعان مائة رجل سلاحًا تامًا وفعل الباقون مثله .
وخرجت قريش للموعد على كل بطن منها رئيس فكان على بني هاشم الزبير بن عبد المطلب و معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوته أبو طالب وحمزة والعباس بنو عبد المطلب وعلى بني أمية وأحلافها حرب ابن أمية وعلى بني عبد الدار عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وعلى بني أسد بن عبد العزى خويلد بن أسد وعلى بني مخزوم هشام بن المغيرة أبو أبي جهل وعلى بني تيم عبد الله بن جدعان وعلى بني جمح معمر بن حبيب بن وهب وعلى بني سهم العاصب بن وائل وعلى بني عدي زيد بن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد وعلى بني عامر بن لؤي عمرة بن عبد شمس والد سهيل بن عمرو وعلى بني فهر عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة وعلى الأحابيش الحليس بن يزيد وسفيان بن عويف هما قائداهم و الأحابيش : بنو الحارث بن عبد مناة كنانة و عضل و القارة الديش من بني الهون بن خزيمة و المصطلق بن خزاعة سموا بذلك لحلفهم بني الحارث والتحبش التجمع وعلى بني بكر بلعاء بن قيس وعلى بني فراس بن غنم من كنانة عمير بن قيس جذل الطعان وعلى بني أسد بن خزيمة بشر بن أبي محازم وكان على جماعة الناس حرب بن أمية لمكانة من عبد مناف سنًا ومنزلةً .
وكانت قيس قد تقدمت إلى عكاظ قبل قريش فعلى بني عامر ملاعب الأسنة أبو براء وعلى بني نصر و سعد و ثقيف سبيع بن ربيع بن معاوية وعلى بني جشم الصمة والد دريد وعلى غطفان عوف بن أبي حارثة المري وعلى بني سليم عباس بن زعل بن هني بن أنس وعلى فهم و عدوان كدام بن عمرو .
وسارت قريش حتى نزلت عكاظ وبها قيس .وكان مع حرب بن أمية إخوته سفيان و أبو سفيان و العاص و أبو العاص بنو أمية فعقل حربٌ نفسه وقيد سفيان وأبو العاص نفسيهما وقالوا: لن يبرح رجل منا مكانه حتى نموت أو نظفر فيومئذ سموا العنابس والعنبس الأسد .
واقتتل الناس قتالًا شديدًا فكان الظفر أول النهار لقيس وانهزم كثير من بني كنانة وقريش فانهزم بنو زهرة وبنو عدي وقتل معمر بن حبيب الجمحي وانهزمت طائفة من بني فراس وثبت حرب بن أمية وبنو عبد مناف وسائر قبائل قريش ولم يزل الظفر لقيس على قريش و كنانة إلى أن انتصف النهار. ثم عاد الظفر لقريش و كنانة فقتلوا من قيس فأكثروا و حمي القتال واشتد الأمر فقتل يومئذ تحت راية بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة مئة رجل وهم صابرون فانهزمت قيس وقتل من أشرافهم عباس بن زعل السلمي وغيره.
فلما رأى أبو السيد عم مالك بن عوف النصري ما تصنع كنانة من القتل نادى: يا معشر بني كنانة أسرفتم في القتل . فقال ابن جدعان : إنا معشر يسرف .
ولما رأى سبيع بن ربيع بن معاوية هزيمة قبائل قيس عقل نفسه واضطجع وقال: يا معشر بني نصر قاتلوا عني أو ذروا. فعطفت عليه بنو نصر وجشم وسعد بن بكر وفهم و عدوان وانهزم باقي قبائل قيس فقاتل هؤلاء أشد قتال رآه الناس ثم إنهم تداعوا إلى الصلح فاصطلحوا على أن يعدوا القتلى فأي الفريقين فضل له قتلى أخذ ديتهم من الفريق الآخر فتعادوا القتلى فوجدوا قريشًا وبني كنانة قد أفضلوا على قيس عشرين رجلًا فوهن حرب بن أمية يومئذ ابنه أبا سفيان في ديات القوم حتى يؤديها ورهن غيره من الرؤساء وانصرف الناس بعضهم عن بعض ووضعوا الحرب وهدموا ما بينهم من العداوة والشر وتعاهدوا على أن لا يؤذي بعضهم بعضًا فيما كان من أمر البراض وعروة )) .
و أشعارهم في يوم شرب كثير منها يقول بلعاء بن قيس بن الشداخ سيد بني عبد مناة بن كنانة :
إن عكاظ ماؤنا فخلوه … و ذو المجاز بعدُ لن تحلوه
و يقول أمية بن الأسكر الليثي الكناني :
ألا سائل هوازن يوم لاقوا … فوارس من كنانة معلمينا
لدى شربٍ وقد جاشوا وجشنا … فأوعب في النفير بنوا أبينا
و يلخص الفاكهي حرب الفجار و هي أعظم حروب العرب فيقول : (( فهذه أيام الفجار الخمسة التي تزاحفوا فيها في أربع سنين : أولهن يوم نخلة حين تبعتهم هوازن ، فكان كفافا لا على هؤلاء ولا على هؤلئك . ثم يوم شيظمة فكان لهوازن على كنانة . ثم يوم عكاظ الأول – و هو يوم العبلاء – فكان لهوازن على كنانة . و يوم عكاظ الثاني – و هو يوم شرب – كان لبني كنانة على هوازن ، و لم يكن بينهم يوم أعظم منه . ثم يوم الحريرة و هو آخر أيام مزاحفاتهم )) .
و يلخصها أبو القاسم الخثعمي السهيلي في شرح سيرة ابن هشام فيقول : (( والفجار بكسر الفاء بمعنى : المفاجرة كالقتال والمقاتلة وذلك أنه كان قتالا في الشهر الحرام ففجروا فيه جميعا ، فسمي الفجار وكانت للعرب فجارات أربع ذكرها المسعودي ، آخرها : فجار البراض المذكور في السيرة وكان لكنانة ولقيس فيه أربعة أيام مذكورة يوم شمطة ويوم الشرب و هو أعظمها يوما ، وفيه قيد حرب بن أمية وسفيان و أبو سفيان أبناء أمية أنفسهم كي لا يفروا ، فسموا : العنابس ويوم الحريرة عند نخلة ، و يوم الشرب انهزمت قيس إلا بني نصر منهم فإنهم ثبتوا ، وإنما لم يقاتل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع أعمامه وكان ينبل عليهم وقد كان بلغ سن القتال لأنها كانت حرب فجار وكانوا أيضا كلهم كفارا ، ولم يأذن الله تعالى لمؤمن أن يقاتل إلا لتكون كلمة الله هي العليا . واللطيمة عير تحمل البز والعطر )) .
أعده / عبدالرحمن الكناني
